لأجلها بقلم إمل نصر الفصل الخامس عشر

لمحة نيوز

الشوكولاتة التي ابتاعتها من المتجر القريب من المشفى من أجل أن تفرحها وتنسيها بطعمهم طعام المشفى وأجوائه لتأتي الآن وتفاجأ بحضور المتسبب الأساسي في مرض ابنتها والتي فاجأتها بحديثها اليوم وجعلتها تشعر بحماقة الحرب التي تخوضها وعدم جديتها فتراجعت بأسف مرتدة إلى الخلف متهدلة الأكتاف بإحباط ويأس.
تركت الطابق وتركت المبنى بأكمله لتخرج إلى حديقة المشفى. سارت حتى وصلت إلى أسفل المظلة التي خصصت لحماية الزائرين من أشعة الشمس أثناء انتظارهم.
كان عدد الحضور قليلا في هذا الوقت من العصر وقد قاربت الشمس على الغروب. وصلت إلى إحدى الأرائك لتسقط بثقلها عليها وتسقط معها زجاجة الماء وقطع الشوكولاتة على الأرض.
هل كانت مخطئة حين عاشت حلمها في ابنتها أن تحقق ما لم تحققه هي أن تحيا الحياة التي لم تحيها هي يوما لقد قاومت كل شيء من أجلها ظلم عرفان كيد صفا وتهميشها كأنها غير موجودة. ضحت وما زالت مستعدة للمزيد... أما هي يبدو أنها وجدت من يستحق عنها...
وعند مدخل المشفى دلف بسيارته ليصطفها في المكان المخصص ثم هرول بخطوات سريعة يريد إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن تأكد من وجود شقيقه داخل المشفى الآن كما أخبره السائق الذي ذهب إليهم بالحقيبة.
يتمتم بالأدعية ألا يكون قد تسبب لهم بفضيحة فمزيونة العنيدة لن تسكت ولن يهمها شيء كما أصبح يعرف عن شخصيتها و.....
توقف عند هذا الخاطر حين وقعت أبصاره عليها جالسة في جانب وحدها على إحدى أرائك الانتظار بعيدة عن البشر وكأنها في عالمها الخاص.
وبدون تردد غير وجهته متجها نحوها حتى إذا وصل إليها وهي ما زالت لم تشعر به بعد ألقى التحية حتى تنتبه
مساء الخير جاعدة عندك ليه يا أم ليلى
توقف قليلا حتى أتته استجابتها بنظرة خاوية رفعتها إليه يتخللها ضعف غريب يراه لأول مرة فيها وصمت محير جعله يتساءل بجزع
مالك... ليلى جرالها حاجة ولا...
معاذ معاها فوق.
قاطعته بهذه الكلمات فعلق الحديث في حلقه وتشتت قليلا أمام ثباتها والسهولة التي أخبرته بها بذلك ثم ابتلع ريقه بتوجس واتخذ مجلسه على الأريكة بجوارها لكن بمسافة جيدة وقال بتوجس
غريبة يعني ولما جاعد فوق انتي سايباه إزاي لوحده... مع ليلى
عشان هو دخل لوحده مستغل غيابي ومن غير ما يستأذني.
قالتها وهي تلتفت إليه وتواجهه بقوة أربكته فانقبض قلبه من القادم فقال بريبة
آه طبعا عندك حق. على العموم أنا جاي مخصوص دلوك عشان أسحبه من قفاه وأمنعه ميجيش هنا تاني.
علقت بسخرية
ها وبعدين
بعدين إيه ما أنا بجولك هسحبه وأمنعه ما يعتبش هنا تاني.
تمتم بها متسائلا فجعلها تكرر بوضوح أكثر
بعدين تشمل كله مش بس زيارة المستشفى ولا حتى زيارة بيتنا.
انتظر قليلا يستوعب المقصود من كلماتها حتى استدرك أخيرا ليسأل بجدية
جصدك على إيه بالضبط خطوبة ليلى لمعاذ ما انتي فصلتي في الموضوع برفضك وإحنا منعنا ولدنا وسافرناه يشتغل بعيد عن البلد والمحافظة كلها ولو جصدك على جية النهاردة فأنا بتأسف وبوعدك إنها غلطة ومش هتتكرر.
وكأنه يتحدث مع نفسه... تلك الحالة التي تتلبسها من الشرود والنظرة الثابتة مع الصمت الطويل تجعله على وشك الجنون من فرط حيرته حتى كاد أن يصيح بها لولا أنها قطعته حاسمة
بلاش توعد بحاجة مهما حاولت مش هتعرف تنفذها. لا إنت هتقدر تمنع أخوك ولا أنا هجدر أشيله من مخها...
هذه النبرة من المكاشفة تنبئ أن هناك المزيد... حسنا فلتأخذ فرصتها للتوضيح أكثر
معلش يعني أنا أفهم إيه من كلامك ده
عادت مرة أخرى للصمت ولكن بتفكير متعمق جعل الكلمات تخرج منها بصعوبة. طرقت برأسها للحظات قليلة ثم تكلمت دون أن ترفع عينيها إليه
في فترة من الفترات أيام ما كنت متجوزة عرفان سكنت جمبنا واحدة... اسمها أم هاشم وده اسمها الحقيقي على فكرة. المهم الست كانت في الأربعين تقريبا جوزها نقل بيهم من البندر للبلد عشان شغله كان راجل محترم وعيالها يفرحوا القلب. لما كنت أشوفهم كنت أتحسر مكدبش عليك. أسرة مثالية زي ما بيقولوا. لكن مع الوقت والعشرة بقيت أكتشف الصورة على حقيقتها. الراجل تقريبا كان جايد صوابعه العشرة ليها وهي نفسها كانت عارفة كده. لكني عمري ما شفتها مبسوطة عمري ما شفت في عنيها اللمعة اللي تبين محبتها لجوزها أو فرحتها بأي حاجة يجيبها. ومع شوية وجت عرفت السبب. اتاري أم هاشم دي كان ليها ابن عم بتحبه لكن أبوها رفضه بدل المرة كذا مرة لحد ما فقد الأمل واتجوز غيرها وهي استسلمت واتجوزت أول حد اتجدم لها بعديه. حظها طلع كويس واتوفقت بجوازة ناجحة لكن عقلها طول الوقت رافض الحقيقة. عايشة جوازها في الواقع إنما في خيالها وقلبها مشالتش ابن عمها ولا اتخيلت غيره جوزها. والسبب ده كان دايما تعبها ومخليها دايما حاسة إنها ست مش كويسة رغم إن جريمتها ما تتعداش الخيال. ولذلك طول الوقت كانت جايبة الذنب على أبوها إنه ظلمها وحرمها من اللي بتحبه...
رفعت رأسها فجأة مردفة
مع إنها كانت ممكن تتجوزه ومع التجربة تكتشف إنه ميسواش ضفر الراجل اللي متجوزاه.
جصدك إيه
تساءل وقد زاد الشك بداخله ليأتي ردها ناهضة فجأة من جواره دون أن تريحه
أنا رايحة أشوف ليلى تعال انت كمان عشان تشوف أخوك.
ردد من خلفها
أشوف أخويا! هو انتي عايزة إيه بالضبط

دلفت إلى داخل المحتجزة بها ابنتها رافعة رأسها بقوة مستعيدة بأسها لتجد الوضع قد تغير مئة وثمانين درجة رغم بقاء معاذ جالسا على الأرض كما هو مستندا بذراعيه إلى التخت يتحدث مع ابنتها التي اعتدلت في جلستها بوجه استعاد بعض نضارته وكأن رؤيته أعادت إلى بشرتها الحياة. كانت تتبسم بخجل مع اندماجه في الحديث حتى إذا انتبهت لحضورها أطل الرعب جليا على ملامحها مما ارتد بأثره على الآخر فاعتدل عن جلسته ونهض عن الأرض ليقابلها باعتذار
آسف لو جيت من غير استئذان بس أنا بصراحة ملجتكيش.
ولو لجيتني كنت هتستنى برضو على ما أطلع عشان تبجي تجابلها من ورايا.
قالتها بحدة جعلته يطرق برأسه خزيا صامتا لتطالعه بعتب جعل الدماء تغلي في رأسها فتلتفت عنه حين دلف الآخر يلقي التحية ويصافح شقيقه بنبرة عادية خالية من التأنيب حتى انتظروا ثلاثتهم عودتها التي جاءت بتماسك مبهر قائلة
على فكرة أنا ممكن أوافق على الجواز بس عندي شروط.
أجفل الثلاثة بقولها حتى استوعب معاذ أولهم فرحب مهللا
الشروط اللي انتي عايزاها قولي وانا مستعد أنفذها ولو همشي على الجمر حتى!
بابتسامة خفيفة ظهرت على زاوية فمها تنقلت بعينيها نحو ابنتها التي صارت تترقب بشغف هي الأخرى وقالت
لا اطمن أنا مليش في الخيال والكلام الفاضي. شرطي الأول إن ليلى مفيش خلفة غير بعد ما تخلص تعليمها تماما وشهادتها الجامعية تبقى في إيدها.
كادت المفاجأة أن تعصف برأس معاذ وقد فهم ضمنيا من كلماتها أنها وافقت على زواج ابنتها قبل انتهاء تعليمها مما أشعل حماسه ليقر موافقا على شرطها الأول
موافق وأبصم بالثلث كمان أهم حاجة عندي هي ليلى الخلفة والعيال
تم نسخ الرابط