لأجلها بقلم إمل نصر الفصل الخامس عشر

لمحة نيوز

الفصل الخامس عشر
قد تظن أن بيدك الأمر وأنك قادر على صد الشعور وتقييد القلب لكن الحب لا يهزم...
فمهما رتبت شروطك ورسمت خطوطك الحمراء سيأتي يوم تجبر فيه أن تقف وجها لوجه أمام أحلامك بل وأمام كل ما كنت تظنه ثوابتك.
عندها... لن يكون السؤال ماذا تريد
بل ماذا تختار
والاختيار دائما..... يكشفك
توقفت سيارة الأجرة بالقرب من المشفى الجامعي ليترجل منها وصفي وولده الأكبر حازم الذي كان يحمل عددا من الأكياس البلاستيكية تحوي بداخلها ملابس ومتعلقات شخصية بالإضافة إلى علب العصائر والطعام أيضا بينما يحث والده المتعب على السير
ياللا يا بوي هم شوية هما خطوتين ونبجي في المستشفى وهنركب الأسانسير نطلع بيه عند الجماعة.
خرج صوت وصفي بتأوه
وهما خطوتين للمستشفى ولا الوصول للأسانسير نفسه حاجة هينة على راجل جسمه مهدود من سهر الليالي في الحراسة... ياللا بقى الحمد لله كله عشان خاطر ليلى وأم ليلى.
ردد من خلفه بتمن
ربي يشفيها يا رب أنا مش عارف بس إيه اللي صابها ده! على رأي أمي تجولش عين وصابتها... ربنا يجازيهم ولاد الحرام...
لم يعلق وصفي فرغم أنه لا يعرف الحقيقة كاملة إلا أن الشك ينهش قلبه بشأن السبب الحقيقي وراء استمرار مرض ليلى حتى الآن رغم مرور أكثر من خمسة عشر يوما دون تحسن يذكر. وما يزيد من ألمه حال شقيقته الوحيدة التي أعادته حالتها إلى تلك الذكريات السوداء التي عاشها بعد زواجها من عرفان.
أبو حازم.
أتى الصوت الرجولي المميز بالنداء من خلفه ليجعله يلتفت ومعه ابنه نحو هذا الرجل الذي لا يفوت يوما دون زيارة وتسهيل الأمور العديدة عليهم في احتجاز الصغيرة.
اقترب حمزة يصافحهم بعجالة قبل أن يواصل طريقه معهما
إيه الأخبار شكلكم توكم واصلين. أنا كمان حاسس نفسي اتأخرت النهاردة. محدش طمنكم عن ليلى
السؤال المعتاد منه وكأن وصفي يعلم أكثر منه بخصوص الحالة التي لا يدخر هو جهدا في رعايتها والإلمام بكل تفاصيل مرضها الغريب من الأطباء الذين يأتي بهم يوميا. لكن المقصود هنا والذي لا يغفل عنه الآخر هو مزيونة وما تحمله من تغير واضح تجاهه رغم إنقاذه لابنتها حين أقلها سريعا إلى المشفى قبل أن تسوء حالتها كما أخبرهم الأطباء.
هنشوفها دلوقتي يا أبو ريان نسأل الله الشفاء التام لها.
أما في المشفى وداخل الحجرة التي أصبحت مأواهم منذ أكثر من خمسة عشر يوما كانت مزيونة تمسك بعلبة الأرز تغرف منها بالملعقة ثم ترفعها إلى فمها لتحاول الأخرى التناول منها قدر ما تستطيع. تمضغ بصعوبة ثم تأتي الصعوبة الأكبر في ابتلاعه الذي لا يتم في معظم الأوقات إلا بتجرع الماء. حتى إذا فقدت قدرتها على المواصلة أبعدت الطبق بيدها مما أثار استياء مستمرا من والدتها
وبعدين انتي حتى مخلصتيش ربعه ده غير اللحمة اللي بترجع زي ما هي! ساعدي نفسك وساعديني يا ليلى عشان ربنا ياخد بيدك وتجومي على حيلك.
هتفت بها مزيونة كصرخة قهر علها تصل إليها وتستجيب ولكن كالمعتاد جاء الرد برجاء المهزوم الفاقد لإرادة المقاومة
مش جادرة والله يا أمي أنا بمنع نفسي بصعوبة إني مرجعش وبغصب على نفسي أبلع حتى الوكل حاسة بيه زي الحجارة في حلقي...
تركت مزيونة الطبق من يدها بعنف لتنهض من جوارها هاربة نحو الشرفة كي تفرغ همها بالدموع والبكاء. كم واجهت من مصاعب ومصائب تكسر الظهر واجهتها بضعف أو بقوة لكن في النهايات انتصرت وعززت من شخصيتها حتى أصبحت على تلك الحالة... كل ذلك من أجلها تلك المستلقية على سريرها الطبي الآن.
مر أكثر من أسبوعين منذ احتجازها داخل تلك الحجرة اللعينة لرعايتها دون تقدم في حالتها سوى بخفض الحرارة التي كادت أن تقتلها. أما باقي الأعراض فلا شيء واضح رغم حيرة الأطباء أمام حالتها وهن شديد مع بعض الأعراض الأخرى يلازمه فقدان شهية جعلها تفقد أكثر من نصف وزنها لتدخل الحسرة قلب والدتها كلما تطلعت إليها.
تتساءل هل أخطأت حين أجبرتها على الالتفات لمستقبلها فقط حتى لو كانت بالفعل أما متسلطة هل كان حزمها في اتخاذ قرارات مضادة لرغبة ابنتها سوى من أجل مصلحتها كي لا تكرر تجربتها المريرة!
فاقت من شرودها على بعض الأصوات التي بدأت تصلها من داخل الغرفة عند ابنتها لتجفف بطرف يدها تلك الدموع العالقة على وجنتيها ثم سحبت كما كبيرا من الهواء حتى تهدأ من وتيرة أنفاسها الغاضبة ثم دخلت لمقابلة شقيقها الذي كان يحتضن ابنتها في هذا الوقت يناجيها بحنوه كالعادة وبجواره حازم ابنه يضع الأكياس على الأرض وعلى مسافة ليست بالبعيدة وقف هذا الرجل الذي لم يتركهم منذ أول يوم أقلهم فيه إلى المشفى ليظل متابعا لهم باهتمامه ورعايته.
استقبل رؤيتها بلهفة ثم ألقى التحية عليها فأجابته بروتينية كعادتها ليدور بينهما حديث يومي سريع بالنظرات ما بين اشتياق ورجاء تقابله هي بعتب وحزن قبل أن تهرب بعينيها عنه لتتابع لقاء البقية
يا حبيبة خالك انتي جومي يا بت مشتاچتيش لدروسك ولا لمدرستك
سمعت مزيونة لتقلب عينيها مغمغمة بيأس
مدرسة إيه عاد دا شكل السنة هتروح عليها.
اقترب منها حازم ابن شقيقها يضمها من كتفيها بمزاح يعارضها
لاه هتروج يا مزيونة وتبقي عال العال. بطلي انتي التشاؤم دا وفكي كده... فكي يا ولية انتي باه.
تبسمت بخفة مستجيبة لمزاحه تربت على ساعده بامتنان أثار غيرة الآخر حتى التفت مصرفا بصره عنهما متوجها نحو ليلى بحديثه اليومي عن صحتها
الدكتور طمني وجالي التحاليل زينة يا ست البنات غيرش بس شوية مشاكل بسيطة بس... شدي حيلك وانسي المستشفى والمرض.
أومأت ليلى بابتسامة ضعيفة ارتسمت على ملامحها الشاحبة ورددت بما أصبح بفمها كالعلكة
إن شاء الله... ربنا كريم.
الفتاة مستسلمة لتعب جسماني سببه نفسي واضح أمامه وأمام تلك التي تطالعه الآن بنظرات اتهام. ماذا بيده وقد أوضح لها عدة مرات أن عشق ابنتها لشقيقه لم يكن ليأتي أبدا إلا برغبة حقيقية من الفتاة.
حتى وإن كان عشق مراهقة أو إعجابا أو انبهارا ماذا سنخسر إن عاش الاثنان التجربة بارتباط صغير أو حتى وعد بالزواج متى ترأف به وترحمه... قبل الاثنين.
في منزل حماد القناوي صعدت حسنية إلى الطابق الثاني تبحث عن زوجة ابنها التي كانت جالسة على الأرض في وسط صالة منزلها تمشط شعر ابنتها بعد أن حممتها. لتفاجأ بالمرأة تدلف إليها وهي بهيئة الخروج أثناء مناداتها
هالة يا بتي عايزاكي تنزلي تحت وتسيبي شقتك دلوك عشان البيت ما يبقاش فاضي.
ردت هالة باستغراب وهي تتأملها بتلك العباءة السوداء الفاخرة وخمارها
والبيت يفضى ليه هو إنتي طالعة
أومأت تجيبها وهي تعدل من خمارها الذي انفك فجأة
إيوه يا هالة منصور جوز بتي هيعدي عليا دلوك بعربيته وياخدني معاه على المحافظة نزور البنية العيانة.
صاحت لتجفل ابنتها من صوتها
خبر إيه هو إنتوا ما عندكوش شغلانة غيرها المحروسة العيانة دي دي عاشر مرة تزوروها في خمسطاشر يوم! ما تحجزوا أوضة جمبيها أوفر.
حدجتها حسنية باستياء وهي تنهرها
أعوذ بالله منك ومن فالك! دا كلام برضو يطلع من واحدة

تم نسخ الرابط