لأجلها بقلم أمل نصر الفصل الثاني

لمحة نيوز

الفصل الثاني
بنشاط اعتادت عليه استيقظت مبكرا تسقي أشجار التين والعنب وبعض الخضروات الموسمية التي زرعتها حذيثا في تلك الحديقة الصغيرة التي تعتبرها جنتها ومتنفسها بعيدا عن ذلك المنزل الخانق الذي لا يربطها به سوى ابنتها حبيبتها هي التي تضع عليها الآمال وتتحمل من أجلها كل شيء عرفان القاسي وضرتها الماكرة صاحبة سجل طويل من المؤامرات التي حاكتها لها من وقت ان وطأت اقدامها ذلك المنزل 
اغلقت صنبور المياه تطوي خرطوم الري حتى تضعه في جانب أسفل إحدى الشجيرات ثم تناولت حزمتي البقدونس والجرير التي قطعتهم من الأرض قبل أن تسقيها لتدخل بهم المنزل تستنشق رائحتهم القوية داخل صدرها فتزداد انتعاشا 
وضعتهم على مائدة السفرة الفارغة في هذا الوقت والتي تتوسط المدخل متجهة إلى غرفة ابنتها تنوي ايقاظها وكانت المفاجأة حينما وجدتها جالسة على جانب الفراش بوضع لم تعتاد عليه ابدا منها
وه من الساعة سبعة الصبح الأميرة ليلى صاحية يا ولاد دي مبتحصلش حتى في عز امتحاناتها 
ابتسامة خفيفة ارتسمت بثغر ليلى تجاري والدتها المزاح حتى تخفي توترها
واهي حصلت يا ست الكل تفرحي ببتك بجى ولا تحرضيني عشان ارجع انام تاني انا على تكة اصلا 
لا يا ختي وعلى ايه جومي ياللا اغلسي وشك وصلي عبال ما احضر انا الفطار خلينا ناخد اليوم من اوله ياللا جومي 
قالتها وما ان همت بالخروج حتى اوقفتها ليلى بالنداء 
ما انا كنت عايزة اروح بيت جدي النهاردة 
قطبت مزيونة تسألها
تروحي ليه ما انتي كنتي امبارح هناك 
بابتسامة اجادتها ردت ليلى
ما انااا شكلي نسيت اغير مية الشرب من قدام الحمام معرفش عقلي كان فين راعيت انضف العشش تحتيهم ونسيت ان الميا نفسها كانت معكرة 
طقطقت مزيونة بفمها صوت استياءا تستنكر فعلها
وه معكرة يا ليلى وسبتيها حرام عليكي يا بتي دي بجالها اسبوع اصلا انتي تخلصي فطار وتخطفي رجلك عليهم وتاجي بسرعة مش عايزة كلام وحديت من مرة ابوكي
عبست ليلى رغم راحتها بموافقة والدتها للخروج لتغمغم في أثرها فور أن تحركت ذاهبة من أمامها
ضربة في كرشها مالها هي اطلع ولا ادخل كانت ابويا ولا كانت امي 
تكون زي ما تكون مش عايزين رط ولا وجع دماغ يا ليلى  
تمتمت بالكلمات مزيونة من خارج الغرفة لتصل إلى ابنتها القلقلة من الأساس لتتذكر تلك الاسورة التي كانت تزين رسغ يدها منذ الأمس ولكنها استيقظت مبكرا على اختفائها بعدما غفلت عن الانتباه ولم تدرى متى فقدتها لينتفض عقلها من ثباته ويجعلها تعي على هفوتها في وقت راحتها فتحدث نفسها الان بحيرة
يا ترى راحت فين بس يا ربي انا مش كد زعل امي دي أغلى هدية جابتهالها في عز حوجتها 
في منزل حماد القناوي
كانت الأسرة مجتمعة بأكملها تقريبا على مائدة الطعام في تناول وجبة الإفطار تترأس الطاولة الحاجة حسنية وبجوارها من الناحية اليمنى حمزة ابنها الأكبر ومن الناحية الأخرى خليفة ابنها الأوسط وزوجته ثم باقي المقاعد للاطفال من ابناءهم او أبناء شقيقاتهم
فلا ينقصها إلا الابن الأصغر معاذ وقد اعتاد الجميع غيابه نظرا لظروف سفره الدائمة في الدراسة او تأخره في النوم ايضا لكنه اليوم فاجأهم بحضوره على غير العادة مما اجبر الجميع للتوقف عن الطعام والتطلع إليه فور أن طل أمامهم بهيئته المتأنقة ليقابل فعلهم بالضحكات ساخرا
ايه يا جدعان في ايه شوفتو حاجة غرببة
ما غريب إلا الشيطان هما بس متفاجئين يا غالي دي من مدة طويلة معملتهاش وجومت فطرت معانا ولا يكونش معاك مشوار
كان هذا الرد من حمزة لتضيف عليه حسنية
لا هو اكيد معاه مشوار مش شايفه لابس الحتة اللي ع الحبل 
تدخل خليفة ايضا يشاركهم الترجيح
اه والله ياما مش محتاجة فراسة المهم بجى السؤال مشوار ايه ده بالظبط اللي صاحيله بدري ولابسله الجلبية
تمتم معاذ يقترب من الطعام فيتناول بعض اللقيمات واقفا دون ان يجلس كالبقية
وه يا خليفة حتى انت كمان بتسأل هي النضافة والنشاط كانوا حاجة جديدة عليا يعني ولا ايه بس يا جدعان دا العادي بتاعي على فكرة دا انتو كمان ماشوفتونيش في السكن الجامعي بطبخ وبنشر واكوي هدومي مع الزملاء دول يفضحوني لو ما كنتش ايدي في ايدهم ايوة أمال ايه ما هو هناك محدش احسن من حد
كان يردف كلماته بتقطع نظرا لامتلاء فمه مما أجبر حمزة ان يزجره صائحا
طب كل لجمتك وانت جاعد متخليش العيال تقلدك يا معاذ
سمع منه لينفص كفيه منهيا طعامه
لا خلاص يا عم لا يقلدوني ولا اقلدهم انا اساسا شبعت ويدوب اللحق مشواري مع اصحابي عن اذنكم 
هم ان يذهب وفور أن تحركت قدميه ليستدير صاحت به حسنية
طب مش هتقول رايح فين الأول يا واد
ياما بجولك مشوار مع اصحابي سلام بجى
تمتم كلماته متوجها نحو الخروج دون انتظار لتغمغم في أثره هاله هامسة لزوجها بصوت بالكاد يصل لأذنه
يا خوفي ليكون المشوار ده وراه حريم 
توقف خليفة عن مضغ طعامه والتفت رأسه نحوها بعبوس يأمرها بصوت خفيض هو الاخر
حطي همك في وكلك يا هالة وبلاش تشغلي مخك بحد كلي ووكلي عيالك ربنا يهديكي 
بقطعة قماش كانت مزيونة تمر على الأثاث تمسحه وتنظفه من الأوساخ فداء النظافة مستفحل بها لأقصى درجة 
مرت على الصالون ومائدة السفرة فلم يتبقى سوى المرآة والتي كانت تضغط عليها بدقة رغم نظافتها من الأساس حتى اضاءت بلمعة اسعدتها جعلتها تتبسم براحة وهي تطالع الصورة بها فانتبهت على انعكاس وجهها به فخبئت ابتسامتها
تتذكر ملامحها التي قاربت على نسيانها من كثرة الأهمال وكأنها تنظر إلى مرأة لا تعلمها وجه اهلكته الهموم وسرقت منه حيويته امرأة بائسة وليست تلك المدللة كما كانت في بيت ابيها قديما والتي كانت ممتلئة حياتها بالمرح واحلام الفتيات الوردية في العيش مع فارس الاحلام وحياة سعيدة بعد ان حرم عليها حلم اكمال تعليمها بحكم العادات القديمة المتحكمة في القرية بزواج الفتيات صغيرات وترك التعليم 
نظرت جيدا لوجهها الباهت من كل مظاهر الحياة فهى دائما ماتبدوا حزينة وذلك لما عاشته ورأته فى حياتها بعد تلك الحادثة في ولادة ابنتها التي افقدتها الجزء القاسم في أنوثتها حتى جعلها ناقصة امام زوجها القاسي والذي لم يحتمل او يصطبر عليها فأتى بالزوجة الثانية لكي تذيقها الامرين
متسلطة وخبيثة ومع انحياز عرفان لها كانت تفعل كل شيء من اجل كسرها حتى اطفأتها من الداخل وافقدها ثقتها بنفسها فكلما حدثت مواجهة او شجار بينهما يتحول لصالحها مهما كانت مخطئة مدامت تجد دائما من يساندها وأن اعترضت هي او اشتكت تعاير بذلك الشيء الذي انقصها عن جميع النساء
مسحت مزيونة دمعتها الغادرة بعدما أتت برأسها كل الذكريات السيئة لتبتعد بوجهها عن المرآة تلك التي جلبت عليها المواجع بمجرد ان نظرت بها ورأت وجهها الذي كان يتغنى بجماله معظم من يعرفها 
ألقت بالقماشة ارضا تهم الذهاب إلى الحمام

تم نسخ الرابط