لأجلها بقلم أمل نصر الفصل التاسع
وساعتها مرتك و أخوها هيبقوا في يدك بعد ما يغور ده اللي مستجوين بيه.
هكذا صار يبسط الأمر أمامه ويدعمه وكأن القضية قضيته مستغلا عنجهية الآخر وغباءه عن فهم ما يدور برأسه. ومع ذلك فاجأه بالرد
طب والله فكرة زينة. نفذ يا عطوة وأنا أديك اللي انت عاوزه بدل ما ندخل حد غريب ويفضح أسرارنا وأنت خبرة ومش جديد عليك.
انتفض المذكور وقد أجفله بعرضه يردد برفض تام
وه! أنفذ كيف الله يخرب مطنك الشغل ده أنا بطلته من زمان من ساعة ما توبت. شوفلك حد غيري يا حبيبي شوفلك حد غيري.
وهكذا أخرج نفسه من الحسبة ولكن رأسه اتجهت لشيء آخر بعد أن ذكره بمهنته القديمة... لماذا لا يستغلها لمصلحته الآن
ثلاثة أشهر مرت عليها في ترتيب المنزل بإمكانياته المحدودة ليصبح في النهاية جنتها الصغيرة. وقد اكتمل من معظم الأساسيات المطلوبة حتى الأجهزة الكهربائية استطاعت توفير الضروري منها فاشترت ثلاجة بالتقسيط وحصلت على التلفاز من شقيقها كهدية. وجدت فيه تسليتها وقت الفراغ خاصة حين تنشغل ابنتها عنها في استذكار دروسها كما كان يحدث الآن قبل أن تأتي إليها المذكورة داخل غرفة نومها حاملة طبقا تأكل منه.
أنا خلصت مذاكرة بدري النهاردة قولت أجي أكمل الفيلم معاكي. دخليني جنبك يا مزيونة
قالتها ليلى وهي تصعد إلى السرير لتحشر نفسها معها تحت الغطاء حتى تناثرت من الطبق عدة ثمرات فوقه لتلفت أنظار والدتها التي علقت مبتسمة
يا ما شاء الله جيبتي منين التين الحلو ده
تبسمت ليلى وقدمت الطبق إليها لتتناول منه هي الأخرى
من شجرتنا يا أمة هو إنتي غريبة عنه
وضعت مزيونة إحدى الثمرات في فمها تلوكها وهي تستلذ بالطعم قائلة
لا يا ست الحلوين طبعا عارفاه. أنا بس مستغربة جبتيهم كيف! الشجرة تقريبا محلوبة كل اللي رايح واللي جاي ياخد منيها دا حتى بيجطفوه أخضر. ومحدش بيصبر على التينة لما تطيب زين إلا الفروع العالية دي محدش بيوصلها واصل. لا تكوني ركبتي الشجرة يا جزينة
قهقهت ليلى نافية وهي تهز رأسها
لا يا أمة ما وصلتش للدرجادي. إينعم أنا شقية بس معدتش صغيرة على طلوع الشجر.
أمال جبتيها منين
ابتعلت ليلى محاولة إخفاء توترها واختلقت قصة سريعة للإجابة
بجريدة نخل سحبتها معايا وأنا جاية من الدرس بجيت أرفعها لأعلى فرع وأنزل بيها أحلى واحدة أنمر عليها.
قطبت مزيونة حاجبيها تستوعب الفكرة والتي لم تروق لها كثيرا فاكتفت بتوجيه النصح
طب ياريت متكرريهاش تاني. مش مستاهلة شندلة وتعب على شوية تين طازة. لو عايزة أبقى أشتريلك.
أومأت ليلى رأسها بطاعة ثم رفعت إليها الطبق مرة أخرى لتجعلها تشاركها في تناوله أمام التلفاز حيث كانا يشاهدان فيلما عربيا قديما. لم يكن الفيلم يروق لليلى كثيرا لكنه يعجب والدتها التي تندمج في أحداثه. كانت تعلم أن مشاهدة الأفلام الرومانسية هي متعتها الوحيدة بعدما حرمت منها كما سرقت منها أحلام الفتيات العادية في سن المراهقة السن الذي لم تمر به أصلا بتحملها مسؤولية الزواج المبكر.
انتظرت خروج الجميع وذهابهم إلى منازلهم حتى تخرج إليه داخل الحديقة التي التزم الجلوس بها ومراقبة الخيل الصغيرة وهي تأكل أمامه وقد غفا طفله على الأريكة الخشبية بجواره وظل هو لوحدته وهمومه كما يبدو أمامها.
اللي واخد عقلك تفوهت بها بمشاكسة لتلفت انتباهه إليها فتبسم ونهض عن مقعده لاستقبالها
يعني هيكون إيه بس يا حاجة حسنية هو إحنا معانا غير الشغل اجعدي بس الأول.
تحدثت بعد أن أجلسها بجواره
والله اسأل نفسك ولا بص في المراية وانت تعرف أكيد اللي شاغلك أكبر من أي هموم ولا أي شغل.
طالعها باستفسار فتابعت تفصح عما يشغلها
بصراحة يا ولدي أنا خايفة من حاجة كده ومش عارفة أوصلهالك إزاي
حثها أن توضح أكثر
جولي يا أمة إنت هتتكسفي مني دا انتي الحجة حسنية!
تشجعت تجيبه هذه المرة
أنا سمعت إنك كنت سايق العربية النهارده ومعاك مزيونة وأخوها الولية مطلجة وأنا أخاف لحد يشوف كده ويظن يعني...
يظن إيه يا أمي صدرت منه بمقاطعة وانفعال تخلل كلماته مردفا
انتي بنفسك شوفتي الست المحترمة هي وأخوها. انتي عارفة زين باللي مرت بيه منبقاش إحنا والزمن عليها! ولا انتي هتخلي هالة تنخور في دماغك
وه يا ولدي وإيه اللي جاب سيرة هالة دلوك
عشان عارفاها يا أمي وعارفة حشيريتها في كل كبيرة وصغيرة.
توقفت برهة تمتص غضبه وقد بدا أمامها كعود ثقاب قابل للاشتعال وهي تريد المزيد من التوضيح
طب لو سألتك عن الولية نفسها إن كان ليك غاية فيها
بماذا يخبرها عن حب يائس يثير شفقتها أم عن امرأة لو انقلب العالم رأسا على عقب لما حدث وتراجعت عن قرار اتخذته مسبقا بدفن نفسها من أجل صغيرتها وفقط عند خاطره الأخير وجد الحل سريعا يصارحها بما يخطط له مع شقيقه منذ شهور
مش موضوعي يا حجة حسنية ومدام فتحتي الموضوع بنفسك يبقى أنا هصارحك بالحقيقة عشان أخلص من زن ولدك فوج راسي.
ولدي مين
ولدك معاذ يا أمي عايز يتجوز بت مزيونة.
وعرفان الراجل العفش! انت بتقول إيه يا حمزة أضافتها بغضب احتل محياها لتفاجأ بقدوم المذكور عائدا من الخارج فهتفت منادية توقفه قبل أن يدخل إلى المنزل
واض يا معاذ تعال هنا عايزاك.
في منتصف الليل حيث يسود السكون أرجاء المكان وتتوقف حركة البشر عن مشاغل الحياة لينالوا قسط من الراحة الذي يستحقها الجسد كان هناك صنف آخر من البشر لا يجد فرصته إلا في هذا الوقت. مغامرة بسيطة قد تحقق له ما يتمناه ويؤرق مضجعه منذ سنوات.
وصل هذا الملثم إلى خلف المنزل الوحيد وسط المزروعات حيث لا بشر ولا جيران يخشاهم. وبخفة القرد تسلق الحائط الطيني القديم مستعينا ببروز بعض الحفر في الطوب اللبن المبني به ليصبح أعلى الجدار في ظرف لحظات قليلة حيث الجزء الخالي بطرف المنزل من السقف. حاول تكرار الأمر والنزول بخفة لكن حظه هذه المرة لم يساعده فانزلق ساقطا إلى الأرض بوقعة خفيفة لم تؤثر فيه لكن وقعها كان في الداخل إذ وصلت إلى تلك الغافية التي تحتضن ابنتها ففتحت عينيها مستيقظة بإجفال جعلها تنهض بجذعها عن الفراش في لحظات قليلة.
قادها إحساسها بشيء غير مريح جعلها تطل برأسها خارج الغرفة فازداد شكها حينما وصلت إليها أصوات أخرى من الجهة المكشوفة للمنزل بطرازه القديم. وقد أحسن شقيقها صنيعا حين أحكم إغلاقها من قبل بالطين وبباب حديدي غليظ تزيد عليه مزيونة ليلا بأشولة الحبوب والقمح من الداخل زيادة في الحرص وتقديرا ليوم مثل هذا.
أرهفت السمع جيدا لتتحقق مما إذا كان مصدر الصوت قطة أو حيوانا آخر لا تعرفه فجاءها التأكيد بشيء أخطر حينما رأت بأم عينيها المحاولات الحثيثة بمغلق الباب لفتحه...
انتفضت من مكانها عائدة إلى الغرفة متجهة نحو خزانة الملابس لتفاجأ باستيقاظ ابنتها تسألها
في حاجة يا أمة
هشششت قاطعتها منذ البداية واضعة سبابتها على فمها بنظرة تحذيرية جعلت الوعي يعود إلى الأخرى فتقعد جالسة تراقبها بخوف وتذعن لرغبتها بعدم التحدث رغم فزعها. وما لبثت عيناها أن جحظتا رعبا حين رأت ما أخرجته مزيونة من داخل الخزانة.
بندجية يا أمة! خرجت منها العبارة دون إرادتها.
فعادت إليها
الأم بتحذير أشد مطالبة إياها بالصمت الكامل رغم رعبها الذي لم يمنعها من مراقبتها وهي تجهز السلاح الناري متأكدة من حشوه قبل أن تتحرك به خارج الغرفة وقد اتخذت قرارها بشجاعة. فهذه اللحظات الفارقة لا تحتمل التردد على الإطلاق.
استقامت ليلى عن فراشها تتبع والدتها وما هي إلا خطوتان حتى دوى في الأرجاء صوت الطلق الناري يصم الآذان من قرب المسافة...
... يتبع.