لأجلها بقلم أمل نصر الفصل التاسع

لمحة نيوز

في النهاية أن يجبر وصفي على التدخل
خلاص يا مزيونة الأستاذ حمزة مش غريب.
همت أن تجادله لكنه حسم قاطعا عليها الطريق
يلا بجى يا ست مزيونة خلينا نمشي من المنطجة الزفت دي ولا أدخل لمعاطي أديله الطريحة! بصراحة إيدي واكلاني عليه وهموت أعملها!
................................
أما عنها وقد كان هذا موعد عودتها من درس مادة الإنجليزي مع بدء العام الدراسي الجديد وشفاء ذراعها من الكسر فقد مرت على المجرى المائي القريب من منزلهم فاتجهت أبصارها تلقائيا نحوه بحثا عن ذلك المجنون الذي يأتي في ميعاده اليومي من أجل سقي حصانه قاطعا تلك المسافة البعيدة من النصف الغربي للبلدة إلى هنا وكأنه لا توجد مياه هناك.
هي ليست بالعمياء حتى لا ترى أفعاله الغريبة ولا عديمة الإحساس حتى لا تشعر فمنذ تلصصه عليها ووقوعه من أعلى الشجرة لم يكررها مرة أخرى ولم يحاول فتح حديث معها يكتفي فقط بالنظرات الهائمة لها وهي لا تهرب ولا تغضب بل في أوقات كثيرة تصعد إلى برج الحمام فوق السطح وتتخذه حجة كي تبادله النظرات.
بداخلها كم هائل من التساؤلات نحوه لكنها لا تستطيع البوح بها أمام والدتها رغم أنها كاتمة أسرارها وصديقتها الأقرب. كانت تنتظر أن تأتي الإجابة وحدها. لكنها اليوم لا تراه! رغم وجود الحصان الذي كان يتناول طعامه من حشائش الأرض البرية بالقرب من مجرى الماء. أخذها الفضول حتى نسيت حرصها تبحث عنه بعينيها بلهفة جعلتها تتوقف في مكانها... ولا يوجد أثر له على الإطلاق! أيعقل أن هناك إنسانا في العالم يملك نصف عقل يترك حصانا عربيا أصيلا مثل هذا في الهواء الطلق دون حماية ويذهب
شيء يثير الدهشة بالفعل... ولكن لما العجب مع رجل مثله تتوقع منه أي شيء. أجفلت عند خاطرها الأخير بسماعها لأصوات صارت تصل إليها
بس... بس بس بسس... دارت رأسها لا إراديا في عدة جهات تبحث عن مصدر الصوت حتى جاءها النداء باسمها يرافقه عدد من ثمار التين الطازج تتساقط فوق رأسها
ليلى! رفعت بصرها إلى أعلى لتفاجأ بهذا المجنون فوق أحد فروع الشجرة مباشرة فوقها فشهقت وارتدت بقدميها للخلف بفزع تضاعف حينما قفز من محله ليقف مقابلا لها دون سابق إنذار وكادت أن تقع لولا سرعة بديهته في الإمساك بيدها
حاسبي... كنتي هتوجعي. نفضت يده عنها تنهره موبخة رغم عدم اتزانها بعد
ما انت السبب! بتخلعني يا بني آدم انت وبعدها تجولي حاسبي! انت إيه صنفك
ابتسم قائلا بمرح
يعني هيكون إيه بس يا آنسة ليلى أنا ماعملتش حاجة أصلا غير إني كنت فوق الشجرة بنجي كام حبة تين حلوين. أحلى ثمر للفاكهة دا اللي تلاقيه متعلج فووج بعيد عن إيدين الناس وعيونهم محدش يطوله غير الغاوي.
لا تعلم لما جذبتها كلماته التي لم تع مغزاها وقد سرق انتباهها بتلك الحبات الطازجة الرائعة التي كان يعرضها لها بين كفيه الكبيرين حبات كاملة النضج أثارت شهيتها لتناولها والتلذذ بطعمها. ولكنها ما إن استعادت بأسها حتى هتفت به
مش عايزة من خلجتك حاجة! فاكرني هبلة وهيضحك عليا بحبايتين تين ولا ظنيت كمان إني نسيت عملتك المهببة لما كنت بتراقبني وأنا فوج سطحنا! اللي خلاني أسكت ومكبرش الموضوع حاجة واحدة هي وجعتك الشديدة عشان حسيت إن ربنا خدلي حقي منك.
معظم حديثها لم يفهمه فقد كان هائما بها وبطريقتها اللذيذة في التعبير عن غضبها حتى وهو لا يغفل نبرتها الشامتة ولا إصرارها على تذكيره بذلك الأمر رغم عدم حديثها عنه كما أشارت.
بصراحة أنا ممتن جدا لمعروفك يا آنسة ليلى برغم إني مكتش جاصد اللي في بالك عشان تبقي عارفة. أنا بس كنت فوج الشجرة زي دلوك بدور على فرع أنجي عليه تينة حلوة وشوفتك بالصدفة... يمكن تنحت هبابة على برج الحمام وعليكي لكني في النهاية وجعت زي ما شفتي بعينك. رجلي اتجزعت وضهري كله اتخرشم ورقدت عليها أيام...
ثم أضاف بنعومة
يعني لو كتي بلغتي عني كتي هتاخدي ذنبي على الفاضي. وأنا كل الحكاية كنت عايز تين شوفي بنفسك نجاوتي.
تناول واحدة من الثمار ووضعها بفمه يتلذذ بها بين شفتيه مرددا
أممم... حلوة جوي! يا سلام وهي فيها حتة لسعة صغيرة في اللسان لكنها بتنقط سكر وعسل! آه لو تدوقي واحدة هتعرفي إني عمري ما أنجي ولا أختار غير الزين.
سال لعابها هي الأخرى واشتهت أن تتذوقها لكنها أبت أن تظهر ضعفها أمامه وقالت بحدة
مش عايزة حاجة! خدهم واشبع بيهم.
واستدارت لتتركه وتذهب فهتف من خلفها بصوت مسموع
خلاص... أنا خدت كفايتي أصلا. هسيب الباقيين هنه على المصطبة وياخدهم صاحب نصيبهم بجي.
رغم شعورها باستجابتها إلا أنها ادعت التجاهل وعدم الاكتراث ودلفت إلى داخل المنزل صافقة الباب بقوة. تنهد هو وأفرغ ما بين كفيه من الثمرات على المصطبة الطينية بالفعل ثم توجه إلى حصانه اعتلاه وغادر إلا أنه توقف قريبا أسفل إحدى الأشجار يراقب من مكانه مصوبا بصره نحو المنزل المحبب إلى قلبه.
ولم تمر سوى لحظات قليلة حتى وجدها تفتح باب منزلهم وتخرج منه بحرص تدور أبصارها في الأنحاء من حولها حتى وصلت إلى حفنة الثمار التي تركها فحملتها بين كفيها وعادت بها إلى الداخل.
ارتسمت على ثغره ابتسامة شقت وجهه من الأذن إلى الأذن وقد غزت السعادة قلبه. لقد قبلت هديته... وهذه بداية ليست بالهينة في طريق وصوله إلى قلبها.
وفي داخل السيارة التي كان يقودها حمزة وبجواره وصفي في الأمام ومن ملكت قلبه في الخلف توجهت أبصارها إلى خارج السيارة عبر النافذة التي جلست بجوارها شاردة في أمور عدة إلا عنه. ثلاثة أشهر مرت على علاقة المودة التي جمعت بين العائلتين كان يلتقط كل الفرص المتاحة من أجل التقرب منها فعل كل شيء حتى ينال نظرة واحدة تروي قلبه. كان يعلم منذ البداية أن الطريق إليها صعب لكنه لم يقدر صعوبته حقا إلا بعد أن اكتوى بنيرانه.
لقد أغلقت على قلبها منذ سنوات ولا شيء يدفعها للحياة سوى ابنتها أما عنها فقد قتلت مزيونة منذ زمن بعيد. فكيف السبيل لإعادتها للحياة مرة أخرى
مسح بكفه على شعر رأسه محاولا الاندماج مع حديث وصفي شقيقها الطيب بعد أن أنهى مكالمة هاتفية على عجالة
يعني بعد ما شندلنا في المصلحة عنده دلوقتي عايز يطابلني على انفراد أنا وهو في موضوع خصوصي دا إيه صنفه ده
جصدك مين سأله حمزة محاولا التركيز ليأتيه بالجواب الذي أشعل رأسه
معاطي الزفت أنا أساسا شكيت في أمره من ساعة ما كنت جاعد وياه. رايح جاي يتكلم عن نفسه ويجيب سيرة أختي وإيه اللي يخليها تتشندل على حتة معاش ومش عارف إيه وهي في يدها تبقى ست الهوانم! كنه حاطط عينه عليكي يا مزيونة.
توجه بالأخيرة نحوها ببساطة غافلا عن حمزة الذي خرج الأمر عن سيطرته فاضطر للضغط على مكابح السيارة بعنف مما أجفل الشقيقين واندفعت أجسادهما للأمام بقوة نتيجة فعله فاصطدمت رأسها هي بالكرسي أمامها قبل أن ترتد سريعا إلى الخلف تتأوه
آااه...
التفت نحوها بجزع
حصلك حاجة ولا اتصابتي
نفت بهز رأسها دون صوت
تم نسخ الرابط