لأجلها بقلم أمل نصر الفصل التاسع
الفصل التاسع
حين تتزاحم الهموم فوق الصدور لا يبقى لنا إلا الصدق ملاذا.
وفي لحظات المواجهة تتساقط الأقنعة وينكشف الحب الذي خبئ طويلا خلف الكلمات المترددة.
هناك بين نظرة أم مشفقة وقلب ابن يغلي بالرجولة والشهامة ولد وعد جديد...
وعد بأن الخير لا يخفى مهما ثقلت ظلال الحذر والخوف.
فالقلوب النقية مهما أرهقتها الحياة تظل تعرف طريقها نحو الحقيقة.
الخاطرة والمراجعة الجميلة بزيادة سنا_الفردوس
عاد إلى منزله أخيرا بعد أشهر من السجن بتهم خلقت له من تحت الأرض تخص تجارته والغش والتلاعب بالأسعار والتغافل عن سداد بعض الديون لأصحابها كلها أشياء معتاد على فعلها منذ نشأته. لا أحد يقيم ولا مسؤول يحاسب حتى ظهر في طريقه ذلك الملعون الذي أجاد لعبته وسلط عليه رجال القانون ليتم احتجازه بالأشهر بعد توقيعه على ورقة بعدم التعرض لطليقته وابنته فتضيع عليه فرصة ردها إليه خلال فترة عدتها في تلك الشهور التي قضاها محجوزا وسط تحقيقات مستمرة وكفالات تدفع للمتضررين من ماله.
لو لم تكن التهم ملفقة إليه دون أدلة محكمة لكان استطاع محاميه إخراجه ولكن عيبه يكمن في الأخطاء البسيطة التي كان يرتكبها يوميا وفي أسلوب إدارته لتجارته. ليأتي من يستغل هفواته فيكبله حتى عن الانتقام منه ولكن... إلى متى
وهه عرفان! حمد الله على سلامتك يا غالي! تعالوا يا ولاد تعالوا شوفوا أبوكم.
هللت صفا بالكلمات فور أن وقعت عيناها عليه وهي تهبط الدرج من طابقها إلى الأسفل تواصل النداء على أطفالها وهي تسرع خطواتها لاستقباله حتى تفاجأ عرفان بهما يخرجان من شقة مزيونة وابنتها. ازبهل ببصره قليلا وهو يتقبل حفاوتهم يرفعهم إليه ويقبلهم حتى أخذت صفا دورها تلقي بنفسها عليه تفاجئه بفعلها فاضطر أن يدعي الاستجابة على مضض رغم حنقه من وقاحتها بتقبيل وجنتيه واحتضانه أمام الأطفال حتى نزعها سريعا وأبعدها بلطف
الله يسلمك يا صفا... بس العيال دي طالعين من شقة مرة أبوهم ليه
مرة أبوهم! رددت بها من خلفه بنبرة استنكارية تواصل بالتشديد على كلماتها
اسمها طليجتك يا جوزي يا غالي يعني الشقة دي شقتنا مش شقتها ولا شقة بتها. يبقى يحقلنا نعمل فيها ما بدالنا نربي فروج ولا نحط كراكيبنا فيها ولا حتى نطلق العنزات ونفضي الحوش شوية... آااه!
تأوهت الأخيرة بألم حين باغتها إذ قبض بأصابعه الغليظة على مرفقها لترى جمرتين من النار تشتعلان في عينيه مرددا بغضب جحيمي
عنزات وكراكيب وفروج! دا على أساس إنه بيت أبوكي إنتي مش بيتي أنا اللي أويكي فيه تاكلي وتشربي وتربي عيالك! عملتي لنفسك سلطة في بيتي وبتستغلي غيابي عنيكم ياصفاعشان تعملي ما بدالك! عايزة تمحي كل أثر ليها عشان تجطعي عليها العودة! للدرجادي نارك قايدة منها! دا أنا أشيلك بعيالك وأحطها بدالك لو طلبت معايا يا بت!
صرخت بألم تنزع ذراعها عنه وتجأر به
أوعى! هتكسر دراعي في إيدك ولا إيه! عا فوج لنفسك يا حبيبي وافتكر إنها كانت السبب في سجنك! هي وبتها! عايز تشيلني وتحطها مكاني على أساس إنها فاضيالك من أصله! دا مش بعيد تكون مظبطة مع الراجل اللي سلط عليك الحكومة! أمال بيدافع عنها كده لله!
قطعت حديثها فجأة وقد وضع كفه على رقبتها يضغط بعنف ليسكتها حتى كاد أن يمنع عنها النفس. صرخ الأطفال برعب يحاولون دفعه عنها ليستدرك خطورة ما يفعله فيرفع كفه عنها فتسعل بقوة عدة مرات حتى التقطت أنفاسها تطالعه بذهول وقد أوشك أن يقتلها مخنوقة بيديه.
قابل هو نظرتها بعدم اكتراث وحتى لا يعطيها فرصة لتأنيبه تحرك من أمامهم مغمغما بأمر
أنا طالع أستحمى وأرتاح على فرشتي ساعتين. أصحى ألاقي الوكل جاهز والهدوم مكوية وشقة مزيونة نضيفة وبتلمع...
تجمدت في مكانها بعد سلسلة التعليمات التي ألقاها عليها تتابعه وهو يصعد الدرج غير مبال بها ولا برعب الأطفال الذين تمسكوا بها تهدئ من روعهم وهي نفسها لم تتمالك ذاتها جيدا بعد ما فعله بها. قاسي القلب... لم يرأف حتى بأطفاله.
................................
كان يعلم أنها هنا بحكم متابعته لكل أمورها ومواعيد خروجها والمصالح التي تقضيها بفضل المسؤولية التي تحملها الآن على عاتقها. يحاول بقدر استطاعته تسهيل أمورها دون أن يكشف نفسه أمامها حتى لا تأخذها عزة النفس وترفض دون تردد.
ينتظر يوميا مواعيد ذهابها إلى السوق كي يملأ عينيه منها من بعيد دون أن تراه أو تشعر به سواء تطلب الأمر سيارة أو لا في كل الحالات لا يقصر ولا يحرم نفسه من لذة رؤيتها. لكن اليوم كان الأمر مختلفا تماما أمر أجبره على التخلي عن حرصه ليطل بكليته أمامها. فلم يعلم بوجهتها إلا متأخرا ليأتي الآن فيجدها تنتظر شيئا ما في تلك المنطقة الحيوية من البلدة المزدحمة بالمصالح الحكومية.
وعلى عكس المعتاد لم تعجبه رؤيتها اليوم فقد استفزته وقفتها تحت الشمس وتحت أبصار هؤلاء الفاشلين من الرجال الذين تركوا تجارتهم ومصالحهم وركزوا أبصارهم عليها وحدها.
صباح الخير. ألقى التحية بخشونة أجبرتها أن تنتبه إليه فتجيبه
أهلا صباح الخير يا أبو ريان.
ألقى بنظره نحو المبنى الحكومي الذي تقف قبالته ليعود إليها بكلمة واحدة كافية عن سؤال كامل
خير
ردت تجيبه بروتينية
خير إن شاء الله. أنا بس مستنية أخوي وصفي دخل جوه المجلس المحلي يخلصلي ورق معاش أبويا بعد ما تعبت من مماطلتهم ليا.
ارتفع حاجبه بشر يريد مزيدا من الاستفسار
ويماطلوا معاكي ليه هو مش ورجك جاهز وخلصان ولا هي نطاعة وخلاص
طفا على ملامحها بعض الحرج فجاءت إجابتها تضع نوعا من الريبة داخله
والله ما أنا عارفة أجولك إيه ربنا يهدي الأستاذ معاطي... غاوي شندلة الناس في الروحة والجية على مجلس الزفت بتاعهم.
تعقد حاجباه باستدراك ليردد الاسم بتوعد قبل أن يتركها ويتجه نحو المبنى دون انتظار
معاطي الزفت رئيس المجلس...
طالعت ظهره بتوجس تضاعف حين وصلها غمغمته
أنا هشوف أمره الكلب ده.
وقد كان. لم تنتظر خمس دقائق كاملة حتى وجدت شقيقها يخرج مشرق الوجه ضاحكا برفقة حمزة الذي لم يتخل عن تجهمه حتى اقترب الاثنان منها ليهلل وصفي بالبشرى لشقيقته
ورجك خلص أخيرا يا مزيونة! حمزة باشا دخل شمال في معاطي من غير سلام ولا كلام خلاه جاب ورا في ثانية واحدة ومضاه مع إنه كان بقاله ساعة مدخلني في كلام كتير وحوارات مكتش فاهمها.
بابتسامة ضعيفة عقبت تضيف
ما هو نفس اللي كان بيعمله معايا رغي وكلام في مواضيع كتير...
عشان فاسد ابن كلب! هتف بها حمزة مما أجبر الاثنين على الانتباه له وقد تملكه الغضب ورغبة تدفعه للعودة مرة أخرى نحو هذا الصعلوك من أجل تأديبه. فهم الآن من فحوى كلماتها حتى وإن لم تقصد أن هذا المتنطع كان يؤجل قضاء مصلحتها لغرض في نفسه. لا حاجة للتوضيح أكثر من ذلك فهي جميلة ومطمع... بدليل حفنة الرجال التي لم ترفع أبصارها عنها حتى اللحظة. تبا لهم... ولعجزه هو عن صدهم.
بجولكم إيه يا جماعة كفاية كده تعالوا أروحكم معايا في عربيتي.
وكما توقع قابلت دعوته بالرفض
لا متشكرين أنا وأخويا أصلا رايحين السوق.
تمام أوصلكم معايا لحد السوق بس نمشي من هنا الله يرضى عنكم... ما تتكلم يا وصفي!
رغم حدته في الحديث استطاع