لأجلها بقلم إمل نصر الفصل الثامن
الفصل الثامن
هل يأتي العوض بعد طول صبر
هل تطفئ الراحة نار التعب
هل يطرق الحب بابها لا ليعصف بل ليحتوي
ما زالت تؤمن أن الله لا ينسى
وأن ما طال انتظاره
حين يأتي...
ينسيها كل ما مضى.
اهداء الجميلة سنا الفردوس الخاطرة قمر زيك
________________
لم تكن أجمل شقيقاتها لكنها كانت دوما الأوفر حظا بحضورها الطاغي داخل المنزل وخارجه سواء في التعامل اليومي بينهم أو حتى في المناسبات العامة. خفيفة الظل دائمة الابتسامة محبة للتفكه والمزاح حتى لو كانت بداخلها ليست على ما يرام وهذا ما جعلها قريبة من جميع إخوتها الكبار والصغار البنات والأولاد رغم أن ترتيبها في الوسط بينهم في الوسط بين الفتياتوكذلك الوسط بين الأشقاء. لذلك لا عجب أن أجمل أبناء عمومتها اختارها دونا عن البقية حتى وإن بدا هو أوسم منها بمراحل لكنه كان واقعا في حبها حتى النخاع منذ نشأته.
رغم اتزانه المبالغ فيه وشخصيته الجادة دوما إلا أنه معها... كل شيء يختلف.
لابسة ولفة خمارك الجديد قدام المراية شكلك رايحة مشوار مهم جوي... بس يا ترى من حجي أعرف وجهتك النهاردة يا ست منى
هكذا صدر السؤال منه بنبرة فيها شيء من السخرية التي فطنت لها فالتفتت إليه تطالع ملامحه العابسة وهو يلج إلى داخل الغرفة عائدا من دوامه الدراسي.
فتقدمت نحوه تشاكسه بمكر
لا يا واد عمي ما ينفعش أجولك... عشان مشوار خصوصي وما يصحش تعرفه.
تقلصت ملامحه بضيق أشد غير متقبل لمراوغتها المتعمدة في الحديث ولأنها تعرف طبيعته حين يشتد غضبه وقد يتخلى عن طبعه المتسامح في لحظة تركت العبث جانبا واقتربت منه برقة مستطردة
ورغم إنه خصوصي لكن أنا برضه معرفاك عليه... ولو كنت ناسي أفكرك.
عقد حاجبيه بتفكير محاولا فهم مغزى كلامها متسائلا
تفكريني بإيه أنا مش فاكر حاجة...
تنهدت بتعب مبتسمة وضربت بكفها ظهر يدها الأخرى عائدة لطبيعتها المشاكسة
عشان تعرف بجي لما يكون العيب في الذاكرة التعبانة وتجيبها في مرتك الغلبانة!
منى!
صدح بأسمها محذرا فسارعت هي بالتوضيح
يا بوي ما أنا بفهمك عشان ما تجيبش العيب عليا. عايزاك تفتكر كلامنا امبارح اللي أمنتك عليه... ما تجيبش سيرته قدام حد! حمزة ومعاذ قلوبهم اللي طارت ناحية البنية وأمها ساعة ما شرحتلك عن التكتيك وإني مشتركة معاهم في التخطيط والتدبير.
ولا فاكر إن الحجة حسنية عضمة ساهلة
وضح جليا أنه قد تذكر بالفعل من خلال ارتخاء عضلات وجهه التي كانت مشدودة منذ لحظات قليلة ليتقدم خطوتين ويجلس على أقرب مقعد منه مخاطبا إياها بجدية مصطنعة
لا طبعا عارف إنها مش ساهلة وفاكر زين الكلام اللي قلناه. أنا لسه ذاكرتي ما تعبتش إنتي اللي غاوية تلفي وتدوري. ما تجيبي الفايدة من الأول.
معلش فهمي تقيل سماح بقى يا سي المدرس الأول ما تبقاش حنبلي يا بوي.
رفع حاجبه متصنعا عدم الاكتراث ثم أردف بسؤال
ويا ترى بقى إيه الجريمة اللي ناوية تعمليها معاهم دلوك
تبسمت بحماس وقد ارتاحت من جانبه داخليا فتناولت حقيبتها سريعا وهي تجيبه شاعرة بمرور الوقت المتسارع
هناخد الكبيرة لموقع الحدث ولما أرجع هفهمك وأحكيلك كل حاجة يا أستاذ منص!
أمام مرآته وقد وقف يتأنق بملابسه الفاخرة ينثر عطره بكثافة وبمزاج رائق غير عابئ بحنق الآخر الذي كان يراقبه بغيظ شديد يهز قدميه بعصبية لا يتوقف عنها حتى أجبر حمزة على انتقاده
وبعدين عاد في الشغل اللي يخليك تتعصب بالعافية! ما تهمد ياض وبطل فرك وانت واقف خيلتني.
جاء رد معاذ بسخرية تخللت نبرته
مش باين والله عمال تتسبسب وتفرد في الجلابية المكوية ع الحرف ولا كأنك رايح تخطب!
الله أكبر في عينك.
تمتم بها حمزة فاردا أصابعه الخمسة أمام وجهه مردفا
وهو أنا لو هروح أخطب يا واد هروح بجلابية ليه ما معندييش قمصان وبناطيل ولا حتى بدل ألبسها أنا راجل نزيه يا حبيبي والأناقة طبع فيا يا واض!
صاح به معاذ بنفاد صبر وقد فاض به الكيل
ماشي يا عم النزيه خليك جدع بقى وخدني معاك بلاش الرفض غير المبرر ده!
يااا...
توقفت الكلمات في حلقه يحاول استدعاء الهدوء بصعوبة فهذا الأحمق حتى الآن لم يقتنع بوجهة نظره رغم كل محاولات الإقناع
طب أعمل إيه عشان تهمد وتفهم أعمل إيه عشان تشغل مخك
عايز تروح معانا بيت اتنين ولايا بصفة إيه
طب افترض أنا انطسيت في عقلي وسحبتك معايا أقول لأمك إيه ها
واخدينه معانا عشان نفسحه مثلا
طب ناخد ريان بالمرة عاد لو هنفذو اللي في دماغنا واستعجلنا...
تابعه وهو يلوح له بأصابعه
أرسي كده واصبر شوية وكل حاجة هتم. هو مش سلق بيض والظروف أصلا ما تسمحش دلوك كام مرة نقولها
ضرب معاذ الأرض بقدمه ثم التفت عنه واضعا ذراعيه فوق صدره مغمغما بغيظ
بتتكلم براحتك عشان مش في النار زيي! أني هموت وأطمن عليها دي دراعها مكسور وخاطرها مكسور هي وأمها وبرضك محدش سايبهم في حالهم.
تبسم حمزة قائلا بسخرية
إيوة صح أنا مش في النار.
على العموم يا شيخ معاذ أدينا بنحاول باللي نقدر عليه. ادعيلنا بس بالتساهيل وخطوة الحاجة الحسنية لو نجحت تبقى اختصرت عليك كتير جوي.
أما في الأسفل فقد ولجت منى إلى داخل المنزل بخطواتها السريعة بناء على الموعد المسبق بينهم لتجد والدتها في انتظارها جالسة جلستها المعتادة ترتشف من مشروبها الساخن وتستقبلها بسخريتها
أخيرا جيتي! دا أنا افتكرتك لغيتيها من أساسه.
ضحكت منى تقابل نقدها بالمزاح كالعادة
لا ما هو منص كان ناوي يعملها معايا صح ويجعدني لكن أنا ضحكت عليه في الآخر وعرفت أفلفص من يده.
تمتمت بها حسنية ثم أردفت بلهجة تحذيرية
وووه عاد من مسخرتك! اتلمي وبلاها كلامك البارد ده على واد عمك.
أطلقت منى ضحكة عالية وصلت إلى مسامع شقيقيها وهما يهبطان الدرج ليعلق حمزة
اهي جات ياخوي بلوة هانم أؤس المصايب!
متأخرة ليه يا بت
صدرت الأخيرة كسؤال أجابت عليه منى لتشاكس والدتها
منص هو السبب.
نهرتها حسنية محذرة بنظراتها
شوفي البت ومسخرتها! اتلمي يا بت واتأدبي!
لااه مش هتأدب
غمغمت بها منى ثم انطلقت في نوبة ضحك لم تتوقف إلا بعد سؤال هالة الفضولي
إنتوا رايحين فين جايبين منى من بيتها تروح معاكم فين
لم يكلف حمزة نفسه حتى بالنظر إليها وترك الأمر للنساء لوالدته وشقيقته التي أجابتها سريعا
واحدة قريبة أمي عيانة يا هالة أنا رايحة معاها وحمزة هيوصلنا. عندك اعتراض
نفت هالة بتحريك رأسها رغم عدم اقتناعها وشيء من الريبة تسرب داخلها لكنها لم تجد الحجة لتجبر على الصمت وهي تراقبهم ينسحبون من أمامها ويغادرون دون أن يخبروها عن وجهتهم أو عن هوية المرأة المقصودة بزيارتها.
لتنتبه في الأخير إلى تلك النظرة الحادة التي يرمقها بها معاذ وملامحه الساخطة ثم ومن دون استئذان تحرك بخطواته مبتعدا عنها وكأنه يريد أن يلحق القطار لتغمغم في أثره
وه... وده ماله ده كمان
أما عند مزيونة فقد كانت في هذا الوقت تحضر جلسة أخرى للشيخ خميس والعم جاد أصدقاء والدها القدامى اللذين تصدرا لها في كل المواقف الصعبة التي مرت بها سابقا أمام عرفان وظلمه لها. ليأتي اليوم