قلبي لمن بقلم امل نصر ج3
المحتويات
الغريب يعرف عن ياسمين أكثر مما ينبغي، وأن وجوده هنا ليس مجرد واجب وظيفي كما يدعي.
يا أهلاً يا أهلاً.. نورت المستشفى والله يا أستاذ.
قطع جمال الصمت بصوتٍ لزج وهو يمد يده بسلامٍ فاتر، والابتسامة الكاذبة ترتسم على وجهه وكأنه يلقي بكلمات مسمومة في ثوب الترحيب
واضح إنك صاحب واجب قوي، ومبتضيعش وقت.. كدة أول ما تسمع تيجي جري على المستشفى! ده إحنا لسة واصلين من مفيش.
ضيق عبد الرحمن عينيه، ونظر إليه بنظرة ثاقبة جعلت يد جمال الممدودة تبدو وكأنها معلقة في الهواء بمهانة، قبل أن يصافحه ببرودٍ شديد وابتسامة صفراء لا تخلو من الاستحقار، وسكت تماماً كأن الرد عليه مضيعة للوقت.
في تلك اللحظة، قامت اعتدال بلهفة وحاولت سحب عبد الرحمن من يده ليجلس مكانها، وهي تقول بامتنان
اتفضل يا ابني، اقعد ريح مكان ملهاش لازمة الوقفة دي، كتر خيرك إنك جيت.
رفض عبد الرحمن بذوقٍ حاسم، لكن سما لم تترك الفرصة تمر، فاقتربت منه برقة مصطنعة وابتسامة واسعة لم يرتَح لها عبد الرحمن أبداً، وقالت بدلالٍ فج
حضرتك محترم وذوق جداً، بس ماما من الصبح قاعدة مكانها وما صدقت قامت، مفيهاش حاجة لو قعدت مكانها.. وبعدين ياسمين كان لازم تعرفنا عليك في ظروف أحسن من كدة بكتير.
رمقها عبد الرحمن بطرف عينه بنظرة باردة لم يعطِها فيها أي اعتبار، وكأنها غير موجودة. وعشان يتخلص من الحاحها وتملقها، وافق أخيراً وجلس على الكرسي، لكنه قام بشد الكرسي بخفة ليقترب أكثر من رأس ياسمين، مبتعداً عن الدائرة التي يحيطون بها السرير.
في تلك اللحظة بالذات، وكأن لروحه مغناطيساً جذب وعيها، بدأت رموش ياسمين ترفرف ببطء. سكنت الضوضاء في أذنها، وانفتحت عيناها الثقيلتان لتستقر مباشرة على وجه عبد الرحمن القابع بجوارها. غابت وجوه أهلها، واختفى صياح جمال، ولم ترَ سوى ملامحه القلقة التي كانت أول ما تطل عليه عيناها، وكأنها كانت تأبى الإفاقة إلا في حضرة وجوده، لتجد في نظراته الأمان الذي افتقدته
كانت عينا ياسمين تسبحان في سديمٍ من الأحلام، وصورة عبد الرحمن الجالس قبالتها بدت وكأنها طيفٌ من وحي خيالها المتعب. لم تكن تصدق أن تلك الابتسامة الهادئة التي تسكن ملامحه، والنظرة التي تفيض حناناً وقلقاً، حقيقية وليست مجرد تهيؤات انسحب إليها عقلها هرباً من الواقع.
همس عبد الرحمن بصوتٍ رخيم، اخترق مسامعها بوقارٍ سحرها
حمد لله على سلامتك يا ياسمين.
كان صوته بالنسبة لها كشاطئ أمانٍ ترسو عليه سفينتها المحطمة، حتى ظنت أن الدنيا توقفت عند تلك اللحظة. لكن السحر لم يدم؛ فقد انشق الفراغ فجأة عن وجهٍ مقيت، وصوتٍ حاد اقتحم خلوتها الروحية كخنجرٍ مسموم. ظهر جمال وهو يدفع برأسه أمامها بوقاحة، قائلاً بتمثيلٍ فج
أخيراً فوقتي يا ياسمين؟ حمد لله على سلامتك.. ده إحنا قلوبنا كانت مولعة نار عليكي!
انكمشت ملامح ياسمين فوراً، وتلاشت لمعة عينيها ليحل محلها نفورٌ وتكشيرة عفوية؛ فقد تحول الحلم الجميل إلى كابوسٍ مفزع بمجرد رؤية وجهه. بدأت تستوعب وجود البقية؛ رأت والدها رشدي وهو يمسح على رأسها، وأمها اعتدال التي انكبت تقبل وجنتها بنبرة صوتٍ مختنقة، خالطها ندمٌ خفي لم تستطع مواراته، وكأنها تعتذر لها عما حدث في المطبخ بالأمس.
أما سما، فقد كان حضورها درامياً كالعادة؛ إذ ألقت بثقل جسدها فوق صدر أختها المنهك، وأخذت تولول بمبالغةٍ مستفزة
يا حبيبتي يا أختي! ألف سلامة عليكي.. يا ريتني كنت أنا بدالك ولا إن يمس شعرة منك سوء!
تأوهت ياسمين بألمٍ مكتوم من ضغطة سما على جسدها الضعيف، بينما كانت عيناها تتركان الجميع لتعود وتستقر بضعفٍ وانكسار على عبد الرحمن، وكأنها استغاثة صامتة منها اليه، تلك العائلة بأكملها لا تعجبه
تحدث فجأة، وقد فاض بها من مبالغة تلك الفتاة شقيقتها، وبرود هذا المدعو جمال عن رد فعل المسمى خطيبها تلك التي كانت مائلة بجسدها بالقرب منه هو الرجل الغريب لدرجة أن جيبتها من الخلف كانت مرتفعة إلى اعلى ركبتها مشهد اثار تقززه رغم انفتاحه على حرية المرأة في ارتداء ما يعجبها من الملابس، لكن هذا الأسلوب يشبه الأداء الرخيص.
تجنبا للمزيد، تنحنح بحدةٍ أخرست الجميع، وقال بنبرةٍ آمرة مغلفة بالذوق
معلش يا جماعة نراعي الظروف شوية، الآنسة ياسمين لسه فايقة وضغطها واطي.. متهيألي محتاجة هدوء ونَفَس، مش كدة؟
انسحبت سما تتراجع بحرج وهي تلملم شتات نفسها، بينما وقف جمال يرمق عبد الرحمن بحقدٍ دفين، وهو يشاهد التأييد المطلق من اعتدال التي صاحت بانسجام مع كلام المدير
أيوه صحيح والله عندك حق.. ابعدي لورا شوية يا سما، وإنت يا رشدي لازق في حلق البت كدة ليه؟ خليها تاخد نفسها! جمال.. ما تروح يا بني تجيب لها علبة عصير تخليها تفتح عيونها وتفوق.
من شدة الغيظ، ضغط جمال على فكيه بقوة حتى كادت أسنانه تتهشم، وكان يود الانفجار فيها والاعتراض بأي حجة، إلا أن الرفض القاطع جاء من ياسمين التي رمقته بنظرة كره لم تخفَ على عبد الرحمن الجالس بجوارها، وقالت بصوتٍ واهن يكاد يخرج من صدرها
محدش يجيب حاجة.. أنا نفسي مش قابلة أصلاً.
هنا تصنع جمال الشهامة والحرص الزائد قائلاً
لا إزاي بس يا ياسمين؟ ده إنتِ لازم تاكلي لقمة خفيفة على الأقل.. أنا هقوم حالاً أجيب لك سندوتشات.
همت
متابعة القراءة