قلبي لمن بقلم امل نصر ج3
المحتويات
باب العنبر بنظرة قلقة وهي تراه يقتحم المكان بوجه محتقن، صائحاً بلهجة تقطر لوماً
إزاي يعني محدش يرفع سماعة التليفون يبلغني؟ ياسمين تتعب وتتنقل المستشفى كدة وأنا زيي زي الغريب أعرف بالصدفة؟ دي أصول دي يا عم رشدي؟
ارتبك رشدي توفيق وبدا عليه الانكسار وهو يحاول تبرير موقفهم، فمسح عرق جبينه بيده المرتجفة وقال بصوتٍ واهن
يا ابني اعذرنا، إحنا كنا في عالم تاني.. المنظر كان يرعب وخضتنا على البنت خلتنا منشوفش قدامنا ولا نفتكر حد، يدوب شلناها وجرينا.
في تلك اللحظة، انتفضت سما بلهفة غريبة، وكأنها كانت تنتظر حضوره لتثبت له تفانيها، فاقتربت منه تحاول استرضاءه وهي تذكره
أنا اتصلت بيك يا جمال والله كذا مرة عشان أبلغك، بإمارة ما رديت عليا وصوتك كان نعسان خالص وقفت السكة في وشي!
بدلاً من أن يهدأ روعه، انفجر فيها جمال بغضبٍ أشد، ونهرها بقسوة أمام الجميع
أديكي قلتيها يا غبية! كنت نعسان.. يعني مكنتش مركز ولا واعي للي بتقوليه! كان لازم تكرري المحاولة وتفضلي ورايا لحد ما أفوق وأفهم، مش تسيبيني نايم وتقولي بلغت!
وقعت كلمة غبية على مسامع سما كالصفعة، فتراجعت بحرج وأطبقت شفتيها بصمتٍ مخزٍ. رمقته اعتدال بنظرة غضبٍ نارية؛ فقد آلمها أن يُهان كبرياء ابنتها بهذه الغلظة في حضرة مرض أختها. أما رشدي، فقد استمر في دور المسترضي، وأخذ يسرد لجمال بتفصيلٍ ممل كل لحظات المعاناة والإجراءات الطبية التي مروا بها، وكأنه يقدم كشف حسابٍ ل سيد البيت، بينما كانت ياسمين ترقد هناك.. جثةً خامدة لا تسمع ضجيج النفوس التي تتاجر بوجعها.
.......................
بينما كان جمال يملأ المكان ضجيجاً بصياحه المصطنع الأجوف، انشق باب العنبر فجأة عن حضورٍ لم يعهده هذا الرواق البائس. دخل عبد الرحمن بخطى ثابتة وواثقة، مرتدياً بدلته الأنيقة التي بدت كأنها من عالم آخر غير عالم المستشفيات الكئيب. كانت رائحة عطره النفاذة والراقية تسبقه، لتطغى في ثوانٍ على رائحة المعقمات واليود، وتلفت أنظار الجميع؛ مريضات على أسرتهن رفعن رؤوسهن بذهول، ومرافقون توقفوا عن الحديث ليتأملوا هذا الزائر الغريب عن بيئتهم.
ظن الجميع للوهلة الأولى أنه ضل الطريق، أو أنه يزور شخصية هامة في غرفة خاصة، حتى توقفت قدماه تماماً أمام سرير ياسمين التي كاد يخطيء اسمها في تلك اللحظة من فرط ارتباكه وتأثره برؤيتها هكذا. تسمرت عيناه على وجهها الشاحب، وسأل بنبرة هادئة وعميقة قطعت خيط صراخ جمال
هي عاملة إيه دلوقتي؟
ساد صمتٌ مطبق. تنحى رشدي واعتدال جانباً بذهول، وصمت جمال فجأة وهو ينظر لهذا العملاق الذي اقتحم ساحته بهيبة أطفأت بريقه المصطنع. لم يصدقوا أنه يقصدهم، حتى ظنوا أنه أخطأ في المريضة.
شعر عبد الرحمن بوطأة نظراتهم المستغربة، وتنحنح ليلملم شتات ارتباكه ويصحح خطأه العفوي، ثم قدم نفسه بوقار أخرس الألسنة
أنا عبد الرحمن.. مدير الآنسة ياسمين في الشركة.
كانت سما تنظر إليه بعينين متسعتين، منبهرة بهذا الرقي الذي لم تره في جمال قط، بينما اعتصر الغل قلب جمال وهو يرى هيبة عبد الرحمن تأكل الجو من تحته. أما اعتدال، فقد شعرت لأول مرة منذ الصباح أن هناك اتى بعاطفة صادقة يسأل بقلبٍ موجوع عن حال ابنتها خلف قناع الرسمية.
انتفض رشدي من مكانه، وبحفاوة مبالغ فيها مد يده ليسلم على عبد الرحمن سلاماً حاراً، وكأنه وجد في هيبته طوق نجاة من ضجيج خطيب ابنته المتحذلق، بدأ يعرفه بالعائلة بصوت يملؤه الفخر الممزوج بالارتباك
أهلاً يا باشا، نورتنا.. أنا والد ياسمين، ودي والدتها، ودي أختها سما.. وده الأستاذ جمال خطيب أختها.
عند الاسم الأخير، تجمدت نظرات عبد الرحمن. تبادل مع جمال نظرة حادة؛ كانت مزيجاً من الدهشة والارتياب من جانب عبد الرحمن، الذي استرجع فوراً مشهد الأمس. هذا هو الرجل الذي جاء لياسمين في الشركة!، تذكر مبررها المرتجف وقتها بأنه كان خطيب أختها، لكنه الآن يقف بجوار الأخت ذاتها وكأن شيئاً لم يكن. تعجب عبد الرحمن من سرعة عودته، ومن تلك الفتاة سما التي كانت ترمقه بنظرات جريئة، تخلو من أي حياء، بل تقترب من الوقاحة رغم وجود خطيبها بجانبها.
قارن عبد الرحمن في سره بين الأختين؛ شتان بين سما وبين ياسمينه الرقيقة، التي تخجل من أقل همسة، وتغلّف رقتها بجفاء مصطنع يصل إلى الغشم في بعض الاحيان في تعاملها معه، ومع ذلك كان يتقبل كل ذلك بصدر رحب، لأنه يدرك أن خلف تلك الحدة قلباً أبيض يحاول حماية نفسه.
أما جمال، فقد استعرت النيران في صدره. كانت نظراته لعبد الرحمن تقطر كرهاً أسود؛ ليس فقط لوسامته الطاغية أو لكونه سحب البساط من تحت قدميه وأطفأ حضوره تماماً، بل لأن هناك سؤالاً ينهش عقله كيف عرف هذا الرجل بمرضها بهذه السرعة؟ ولماذا يتكبد مدير شركة عناء المجيء إلى مستشفى حكومي بسيط لأجل موظفة لديه؟
ساد صمت ثقيل، قطعه صوت عبد الرحمن الرخيم وهو يوجه كلامه لرشدي، متجاهلاً وجود جمال تماماً
ألف سلامة عليها يا حاج رشدي.. ياسمين من أكفأ الناس عندنا في الشركة، ومكانش ينفع أعرف إنها تعبانة ومجيش أطمن عليها بنفسي.
التفتت اعتدال إليه بامتنان حقيقي، بينما كانت سما تبتسم برقة مصطنعة وهي تحاول لفت انتباهه بشتى الطرق، في حين وقف جمال يغلي بصمت، شاعراً بأن هذا
متابعة القراءة