قلبي لمن بقلم امل نصر ج3

لمحة نيوز

الجزء الثالث
في اليوم التالي، كان الرواق المؤدي إلى مكتب ياسمين شاهداً على اضطرابٍ لم يعهده الموظفون في شخصية عبد الرحمن؛ ذاك الرجل الذي فارقه وقاره المعتاد، وأخذ يقطع غرفته ذهاباً وإياباً، بينما لم تكف عيناه عن اختلاس النظر نحو مكتبها القابع في سكونٍ مريب. كانت تلك المرة الأولى التي تتأخر فيها ياسمين عن موعدها ولو لدقيقة واحدة، وحين دقت الساعة العاشرة، نفد صبره تماماً؛ فتخلى عن كبريائه وجذب هاتفه ليتصل بها، لكن الرنين لم يلقهُ إلا بصمتٍ مطبق بعد محاولتين باءتا بالفشل.
استوقفته هناء وهي تمر أمام مكتبه، فاستغل الفرصة وسألها بنبرة حاول جاهداً أن يكسوها بالرسمية، لكن بحة القلق فضحت أمره
آنسة هناء.. هي ياسمين فين؟ دي أول مرة تتأخر للوقت ده، حد منكم يعرف عنها حاجة؟
نظرت إليه هناء بأسف وقالت
للأسف يا مستر عبد الرحمن، ياسمين مش هتيجي النهاردة خالص، عرفنا إنها تعبانة جداً.
شحب وجهه، واهتز صوته وهو يسأل بلهفة مكتومة
تعبانة إزاي يعني؟ ومنين عرفتي بالتحديد؟ هي بلغت حد فيكم؟
أجابت هناء ببراءة وهي تخرج هاتفها لتريه الشاشة
من حالة الواتساب يا مستر.. أختها سما هي اللي منزلة الخبر، وبتقول ادعوا لياسمين أختي، دي اتنقلت المستشفى فجأة من كام ساعة.
وقع الخبر على مسامعه كوقع الصاعقة؛ جمدت الدماء في عروقه وتسمرت قدماه في مكانهما، توقف به الزمن للحظة، وشعر وكأن الأرض تميد به. الكلمة وقعت على أذنيه كدويّ انفجار المستشفى!. لم يعد يرى أمامه هناء ولا المكاتب ولا الأوراق، بل قفزت إلى ذهنه صورة ياسمين بملامحها الشاحبة وانكسارها الذي حاولت مداراته بالأمس. استجمع أنفاسه بصعوبة، وسأل هناء بصوتٍ مخنوق حاول قدر الإمكان أن يبدو رسمياً لكنه فشل
مستشفى إيه يا هناء؟ متعرفيش مالها؟ واشمعنى أختها اللي منزلة الخبر؟
ردت هناء بقلبٍ وجل
والله يا مستر، سما كاتبة إن ياسمين تعبت فجأة بليل، والضغط وطي وشكلها جالها هبوط حاد. بس هي مكاتبتش اسم المستشفى، اكتفت بطلب الدعاء وصورة لإيد ياسمين وهي متركب لها محاليل.
لم ينتظر عبد الرحمن سماع المزيد؛ اندفع نحو مكتبه، التقط مفاتيحه وهاتفه، وخرج بخطواتٍ شبه راكضة. كان عقله يغلي بالتفكير ياسمين القوية، الصبورة، المتحفظة حتى والحزن يسكن عينيها.. تلك التي لا تفصح عما يؤلمها، بل تخرج صرخاتها في إبداعٍ ينطق بالجمال؛ جمالٌ لا يدركه إلا من يملك حساً مرهفاً يرى الوجع خلف كل غرزة خيط.
في السيارة، ظل يضرب المقود بيده من فرط القلق. لم يكن يملك عنوان منزلها، ولا يعرف أحداً من ذويها، لكن عاطفته الجارفة وخوفه عليها أنسياه كل التفاصيل. فجأة، لاحت له ذكريات ملفات الموظفين؛ استرجع بجهدٍ جهيد كل حرف قرأه في ملفها الشخصي، حتى استطاع تذكر المنطقة التي تسكن فيها.
بدأ رحلة البحث كالمجنون، يتصل بهناء كل خمس دقائق اسألي سما على المستشفى.. قولي لها إن الشركة عايزة تطمن عشان التأمين.. اختلقي أي حجة يا هناء!
وبينما كان عبد الرحمن يحترق قلقاً، كانت ياسمين ترقد بالفعل في غرف المستشفى الباردة؛ جسدها استسلم أخيراً بعدما عجزت روحها عن الاحتمال. كانت سما تجلس بجوارها، لا لدافع الحب الخالص، بل لتمارس دور الأخت المخلصة أمام العامة، وتنشر صور مرض أختها استدراراً لعطف جمال وجذباً لانتباهه، غير مدركة أن هذه الصور ذاتها هي التي كانت تقود الرجل الذي يحب ياسمين بصدق إلى بابها.
.
.......................
كانت اعتدال تجلس على ذاك الكرسي الخشبي الملازم لسرير ياسمين في المستشفى، وعيناها لا تفارقان وجه ابنتها الشاحب، بينما ينهش الندم والحزن قلبها. استرجعت بمرارة مشهد الصباح الذي زلزل كيانها؛ حين دخلت غرفتها بضيقٍ مصطنع لتوقظها، وهي تردد كلماتها المعتادة
قومي يا ياسمين.. الشغل اتأخرتي عليه، والناس هتقول إيه!
لكن الكلمات تجمدت في حلقها حين وقع بصرها على الفاجعة. لم تكن ياسمين على سريرها، بل كانت جثة هامدة مرتمية على الأرض في مشهدٍ يمزق الروح؛ نصف جسدها الضئيل مستلقٍ على سجادة الصلاة، والنصف الآخر افترش الرخام البارد الذي امتص ما تبقى من دفء أطرافها.
ساعتها، شعرَت اعتدال وكأن قلبها قد هوى في سحيقٍ مظلم. هرعت نحوها، هزتها بجنون وهي تنادي باسمها ياسمين! ردي عليا يا بنتي.. ياسمين! لكن لا مجيب، سوى صمتٍ مخيف وبرودةٍ بدأت تسري في ملامح ابنتها التي كانت بالأمس القريب تحذرها من الغدر تحت سقف بيتهما.
لم تجد الأم المكلومة وسيلةً إلا الصراخ، صرخةٌ شقت سكون البيت واستدعت رشدي وسما بهلع، صرخة كانت تحمل في طياتها اعترافاً متأخراً بأن العاقلة التي لم تكن تشتكي، قد انكسر داخلها شيءٌ لا تبرئه المحاليل ولا الأدوية.
انهمرت دموع اعتدال وهي تنظر إلى المحلول المعلق، وتهمس لنفسها يا ريتني سمعتلك يا بنتي.. يا ريتني ما كذبت عيني عشان أرضي الناس. بينما كانت سما في الزاوية الأخرى، مشغولة بهاتفها، تقتنص من وجع أختها كادراً جديداً تنشره للعامة، غير مدركة أن الصرخة التي أطلقتها أمها في الصباح، قد وصلت أصداؤها بالفعل إلى قلب رجلٍ يقود سيارته الآن كالمجنون في شوارع المدينة، يبحث عن ياسمين.
قطع سكون العنبر الرتيب إلا دويّ صوت جمال القادم من الممر الخارجي، صوته الذي كان يسبق خطواته المتعجرفة، حاملاً نبرة عصبية مبالغ فيها، وكأنه يمارس سلطةً مطلقة على الجميع. انتفضت اعتدال في مقعدها، ورمقت

تم نسخ الرابط