لأجلها بقلم أمل نصر الفصل الحادي عشر
المحتويات
اللعنة إن حدث ذلك!
استفاقت من شرودها على صوت حمحمة رجالية خشنة أصبحت تعلم صاحبها حتى قبل أن يصدر صوته
واد يا ريان.
سمع الصغير صوت والده فانطلق على الفور كي يتلاقاه عند مدخل المنزل
أيوة يا بوي أنا جيت أها.
استنى يا ريااا...
قطعت بخجل حينما انفتح الباب فجأة وظهرت بشعرها المنطلق أمام عينيه المتفرسة قبل أن ترمي عليه طرحتها مما أثار في قلبه مرحا أخفاه في ضيق زائف يوبخ ابنه بلطمة خفيفة على رأسه من الخلف
مش تخلي عندك ذوق يا حمار دي عمايل رجالة ياض
خرجت إليه وقد أحكمت حجاب رأسها تدافع عن الصغير
لاه عاد ريان عسل متجولش عليه حمار. بس هو المرة الجاية هياخد باله وميفتحش غير لما يطمن إن الحريم مغطين راسهم صح يا ريان
أومأ الأخير بطاعة
صح يا خالة مزيونة.
على قدر سعادته بقولها وبعلاقة الحب السريعة بينها وبين طفله على قدر خوفه من تبخر أحلامه في الهواء حتى عبر عما يعتريه من توجس مرددا
يعني إنتي واثقة إنه هيكون في مرة جاية ولا هو كلام مرسل وفي يوم وليلة نتفاجئ إن البيت رجع مهجور من تاني
ذوتت ما بين حاجبيها قليلا بتساؤل جعله يردف موضحا
أنا كت مع وصفي من شوية وعرفت منه عن عرض عرفان اللي عايز يردك ليه من تاني.
أومأت صامتة بحرج شديد غير قادرة على مواجهة عينيه لتضاعف من ظنونه والهواجس التي تكتسحها.
أم ليلى أنا بسألك على فكرة... هو إنت صح ناوية ترجعي للراجل ده
أيضا لم تجبه أو هي بالأصح تبحث عن إجابة. ثقل ما تشعر به الآن أمام هذا الرجل كحمل الأحجار فوق الصدر ولماذا معه هو فقط تكتنفها تلك المشاعر لا تعلم. ليته ما عرف.
آآآ...
حاولت إجلاء صوتها والسيطرة على توترها لتردف وهي تجمع الكلمات بصعوبة
أنا لسه بفكر وأشوف يعني اللي فيه المصلحة ليا أنا وبتي.
مصلحة إيه وهو في أصلا مصلحة مع الراجل العفش ده عرفان ده اللي...
توقفت الكلمات في حلقه فور أن وقعت عينيه على ليلى التي وقفت بالقرب تتابعهم وحيرة رسمت الهم بوضوح على ملامحها البريئة. إن استمر وأخرج ما بصدره سيصبح أمام نفسه رجلا ندلا لذلك لم يجد أمامه سوى الانسحاب يجر أقدامه بصعوبة يتظاهر بالقوة وداخله على وشك الوقوع بلمسة. كيف السبيل أمام هذا الأمر الجلل
....................................
في منزل حماد القناوي
وقد استبد الفضول بهالة وهي تراقب عبر الشرفة الأمامية لمدخل المنزل الجلسة التي تجمع حسنية بابنتها المميزة منى ومعاذ في ركن ما من الحديقة.
يجتاحها الشك بأن أمرا ما يدبر خلف ظهرها وهذا التكتم يجعلها على وشك الجنون. حاولت عدة مرات استدراج حسنية ولكن الأخيرة كانت تتحفها بردود عادية لا تصدقها. حتى حينما تفرض نفسها وتجلس معهم يتوقف الحديث وينهض معاذ بجلافة واضحة حتى يحرجها ومنى تلك المتلونة التي تتلاعب بالكلمات كي تزيد من جنونها. ولكن إلى متى لا بد أن تعرف ستموت قهرا إن لم تصل إلى الحقيقة في أقرب وقت. إذا لن تتوقف عن المحاولة حتى لو وصلت لقراءة حركة الشفاه كما تفعل الآن بتركيز تام حتى حينما وصل إلى مسامعها صوت من يناديها
هالة
أمم
تعالي شوفي بتك دي يا ست البرنسيسة هاااله!
جاءت الأخيرة دفعة تفيقها من شرودها لتفاجأ بزوجها يلقي بكراسة الأنشطة المدرسية أمام عينيها فوق سطح سور الشرفة مردفا كازا على أسنانه
اتفضلي يا مدام كراسة البت. حلي معاها الواجب وذاكريلها بدل ما إنتي جاعدة متنحة في خلق الله...
خبر إيه
انتفضت بخوف من هيئته لتتناول الكراسة وتحتضنها وتجذب يد ابنتها منه
حاضر يا خليفة ما هي ما جتش ولا جالتلي.
وهي لا جياكي عشان تجولك ولا إنتي أصلا فاضيالها عشان تعسي وتشوفي بنفسك مذاكرتها ومذاكرة إخواتها دي بطت حاجة تخنق!
أنهى توبيخه والتف مغادرا دون انتظار تبرير منها وكأنه قد سئم وحفظ كل الحجج التي تأتي بها لتزفر في أثره بضيق ثم تتحرك ساحبة ابنتها بعنف
تعالي يا آخرة صبري ما أنا عارفة إن الشجا معاكم ما بيخلصش أبدا... تعالي يا بت.
اقتربت بها إلى أحد المقاعد لتجلسها أمامها وتبدأ مساعدتها في حل المسائل. اندمجت معها لبعض الوقت حتى انتبهت إلى قدوم حمزة ابن عمها وولده مترجلين من السيارة فنهضت لاستقبال الطفل في حين غير والده طريقه متجها إلى الطاولة التي تضم والدته وشقيقيه ليشاركهم الحديث السري على ما يبدو أمام ناظريها.
رياااان حبيب عمتو هالة! عانقت الطفل وقبلته عدة مرات على وجنتيه رغم خجله منها ثم سحبته معها حتى أجلسته بجوار ابنتها لتبدأ في استدراجه
هااا جولي بجى يا بطل... إيه رأيك في بيت أبوك اللي بيبنيه حلو زي بيتنا كده ولا عفش بحماس طفولي أجابها ريان
طبعا حلو جوي أمال إيه ووااااسع وحواليه سور كبير الرجالة خلصوا نصه في البنا!
سور كبير وواسع على العموم مهما كبر مش هيبقى زي بيتنا ده... ده بيت العيلة! وأنت أصلا مش هتسيبنا ولا هتخلي أبوك كمان يسيبنا... صح ولا لاه يا ريان
أومأ برأسه يراضيها غافلا بعقله الصغير أنها تتحدث بإصرار حقيقي وسرعان ما استدركت حالتها فغيرت دفة الحديث بمزاحها
كل الوقت ده جضيته عند العمال والرجالة كنت بتلعب في الزرع ولا بترفع الجصعا معاهم
والله يا عمتي هالة كنت عايز أرفع الجصعا محملة بالإسمنت وابني معاهم بس أبويا مرضيش! جالي هتوسخ هدومك وراح واخدني من يدي ووداني عند خالتي مزيونة قعدت ألعب معاهم هي وليلى واتغديت معاهم وكلت تين ونبق و...
استنى!
هتفت بها توقف استرسال الصغير واندفاعه غير منتبه لعينيها التي جحظت وقد بدأت الخيوط تتجمع في رأسها
هي خالتك مزيونة دي... جدتك زارتها جريب مع أبوك صح
صح.
وساكنة لوحدها ولا معاها ناس تانية
لا مفيش حد معاهم والمنطجة كلها مفيهاش غير بيتهم.
آااااه...
تمتمت بها لتأخذ قرارها على الفور. توجهت نحو ابنتها بعجالة وأعطتها الكراسة في يدها
خدي يا بت كراستك دي واطلعي استنيني فوج يلا أنا هحصلك مش هعوج... يلا!
تذمرت الصغيرة من دفعها ولكنها في النهاية استجابت لأمرها خوفا منها. وفور أن خلى المكان منها تفاجأ ريان بسحبها إياه تقربه منها هامسة
عايزاك دلوك يا حبيبي تحكيلي كل اللي حصل في مشوارك ده من ساعة ما رجلك حطت هناك لحد ما جيت هنه...
....................................
وعلى الطاولة التي كانت تجمع الأربعة وقد جلس بعد دعوة تلقاها من والدته لينضم إليهم في ذلك النقاش الذي لم ينته حتى الآن. كانت محاولات بائسة من المرأة لإقناع صاحب الرأس اليابس وقد كانا يتجادلان في هذا الوقت وحلقة من النقاش المستمر تشترك فيها منى بالمزاح في معظم الأوقات أما هو فكان الصمت رفيقه.
شوفي يا يما مهما تحاولي وتعملي المستحيل معايا إنتي عارفة وكل الناس عارفة إن مفيش حاجة هتمشي غير اللي في مخي... صح ولا لاه يا حجة حسنية
يووووه! ما تحضرينا يا زفتة إنتي يالي جاعدة غير تضحكي وتتمقلتي ! أخوكي هيشلني يا بت! وأنت يا كبير يالي ندهتلك مخصوص تاجي تشاركنا عقل أخوك يا ولدي... يمكن يسمع منك!
هناك لحظات يفقد فيها الإنسان القدرة
حتى على التظاهر وقد ضاق صدره بصورة جعلته يخرج الكلمات بصعوبة وبدون حساب
أجوله
متابعة القراءة