لأجلها بقلم أمل نصر الفصل الحادي عشر
كلما همت أن تطوي الصفحة انتفضت السطور القديمة تصرخ فيها بأسماء الألم
وكلما شدت الرحيل مد ماضيها يده من العتمة يمسكها كما يمسك السرطان بقلب الحياة.
تحاول النسيان تقنع قلبها أن الحياة تمضي
لكن الماضي بارع في التمثيل يتزين بثوب الفرصة الثانية
ويخفي أنيابه خلف وعود ناعمة... ملساء كالسم.
هي لا تهرب بل تنجو.
تتخبط بين عقل يعرف الحقيقة وقلب يخذلها كلما نظرت في عيني ابنتها.
تريد أن تقف... أن تقول انتهى
لكن النهاية ليست لها بل لمن يملك الكارت الذهبي طفلتها.
أما هو...
فلم يكن يوما وطنا بل كان منفى.
وهي اليوم بين المنفى والمنفى
تبحث عن قطعة أرض لا يطالها الخراب.
المراجعة والخاطرة للجميلة بزيادة اوي سنا_الفردوس
.................................
الفصل الحادي عشر
ثلاثة أيام مرت عليه في بناء المنزل المجاور لمنزلها رجال يعملون دون توقف حتى أنجزوا جزءا لا بأس به من الأساس وبعض الحوائط تم بناء نصفها. يمر يوميا صباحا ومساء لمباشرة العمل وكي يتخذها حجة للقاءها أو حتى رؤيتها ولكن هذا لم يحدث سوى مرة أو مرتين بصعوبة مرة حين أبصرها وهي تلقي شيئا ما من فوق سطح المنزل ومرة أخرى وهي تودع إحدى النساء من أقاربها. وفي المرتين لم تعجبه لم ير بها شعاع التحدي وتلك العزة التي تميزها. هناك خطب ما لا يعلمه.
حتى ليلى الجميلة الصغيرة حين تمر عليه أثناء ذهابها للمدرسة أو دروسها بعد ذلك ملامحها منطفئة فاقدة للإشراق الذي عرفها به. كم ود أن يحادثهما مباشرة ليعرف السبب. حتى وصفي مختف هو الآخر في عمله خارج المحافظة. تقتله الحيرة وتطيح الظنون برأسه وإن تحدث عما يقلقه مع شقيقه الذي يعنيه الأمر هو الآخر لا يضمن رد فعله المتهور الذي قد يفسد كل شيء.
لذلك قرر اليوم استخدام عقله بشيء مختلف ربما يأتي بنتيجة حجة تمكنه من طرق باب المنزل بعذر حقيقي.
فتح باب المنزل الحاجز بينها وبينه ليملي عينيه بالملامح الفاتنة فور أن أطلت أمامه.
صباح الخير عاملة إيه يا ست مزيونة ألقى التحية قبل أن يردف أمام عينيها المتسائلة دا ريان ابني على فكرة.
أشرقت فور أن علمت بصفة الصغير ليفتر ثغرها بابتسامة غابت عنها لأيام ترحب به يا أهلا بريان باشا بسم الله ما شاء الله عليه دا راجل كبير أها! ليه بتقول عليه صغير
تبسم بملء فمه وهو يراقبها تضم صغيره إليها وتقبله دخل في قلبه شعور بالسعادة حاول السيطرة عليه حتى استعاد اتزانه بنبرة جعلها عادية في مخاطبتها آسف لو خبطت من غير استئذان بس أنا باستأذنك تخليه معاكم النص ساعة دي على ما أخلص مع الرجالة اللي شغالة بره وآخده وأروح بيه. المنطجة جديدة عليه ومفيش حد من سنه يلعب معاه..
همت أن تجيبه بالموافقة ولكن سبقها الصغير بقوله ما أنا بقولك أشتغل معاهم إنت اللي مش راضي فاكرني صغير.
اتسعت ابتسامتها ردا على ذاك المشاغب الصغير يا بوي ما أنا بقول كبير وراجل! بس مفيش مانع لما تآنسنا وتشرفنا يا أستاذ ريان في بيتنا المتواضع ولا إيه رأيك
طفا على وجه الصغير بعض الخجل ليثير دهشتها في موافقته بإيماءة من رأسه فهتفت منادية لابنتها بت يا ليلى تعالي هنا.
أتت الأخيرة على النداء تقابل ريان ووالده مهللة ببشاشة عم حمزة! ومين العسل اللي معاك ده والله إنت اللي عسل يا بنيتي. تمتم بها حمزة قبل أن يأتي الرد من والدتها ده ولده ريان يا ليلى جاي مشرفنا النهارده شوية إيه رأيك بجي
وه دا يآنس ويشرف طبعا وإن ما شلتوش الأرض
تشيله عنينا.
وهكذا كان ردها في سحب ريان من يده لدخول المنزل فتيبست قدماه هو عن الذهاب ليتحمحم يجلي حلقه قائلا كنت عايز أسألك لو الأصوات أو الرجالة حد ضايقك فيهم أنا مش هتهاون مع أي حد.
نفثت معبرة عن امتنانها لا والله ما في حد فيهم اتجرأ ولا بص حتى. دا عم مغاوري كبير الغفر جاعد فوق راسهم زي الددبان تسمع غير زعيجه فيهم. رغم إني لما اتعاملت معاه مباشر امبارح وأنا طالعة أجيب خضار كان في منتهى الزوق والاحترام وهو بيحلف عليا ويصر إني أرتاح وخد مني الفلوس وبعت حد من العيال اللي شغالين معاه راح هو واشترالي اللي عايزاه بصراحة راجل محترم الله يبارك له.
اجتاح حمزة شيء من الفخر نتيجة كلماتها يغمره الارتياح لاختياره المميز لرئيس عماله في الأرض أن يكون هنا ويتحمل المسؤولية في حمايتها ورعايتها هي وابنتها بصورة غير مباشرة. ولكن فرحته كانت منقوصة بذلك الحزن الذي يراه ساكنا بعينيها إنت في حاجة مضايجاكي يا ست مزيونة
حركت رأسها بنفي سريع لاه ليه بتجول كده بجول كده عشان شايف بعيني دي مش طبيعتك أبدا وآسف يعني لو بدخل.
طرقت برأسها بصمت جعله يفهم أنها لا تريد الإجابة ليضطر للاستئذان وداخله يقسم على معرفة السبب الذي أدى بها إلى ذلك. لهذا لم يكن غريبا أن يهاتف شقيقها فور أن ابتعد عن المنزل أيوة يا وصفي إنت جاعد فين نعم يعني جاعد في بيتك دلوك... راجع من الشغل طب استناني جايلك حالا. أنا عايز أشوفك النهارده ضروري.
...............
في منزل عرفان حيث صفا التي تعمل في تنظيف منزله بغل يجعلها تفتعل الإزعاج عن قصد فكانت تدور كالنحلة حوله وهو جالس في هذا الوقت يدخن أرجيلته ببرود وتجاهل ينفث الدخان في الهواء غير عابئ بها ولا بالنيران التي تحرق أحشائها منذ ثلاثة أيام منذ معرفتها بالعرض الذي عرضه بشهادة الأربعة رجال حتى يلين رأس الملعونة غريمتها. قلبها يسقط أسفل قدميها كلما راودها هاجس موافقتها والعودة إلى عصمته. سوف تكون سيدة الدار هذه المرة سترد ما ظلت تفعله بها هي وابنتها على مدار سنوات. يا إلهي إنه أسوأ كوابيسها... أن تعود لتلك النقطة السوداء.
أن تفتعل جريمة خير لها من أن يحدث ذلك حتى لو اضطرت لقتلها...
دوى صوت تهشيم الزجاج الذي تحطم بين يديها ليسقط أسفلها على الأرض بصورة أجفلت عرفان وجعلته يتخلى عن بروده في أن ينهرها الله يخرب مطنك يا بعيدة! خيبتي يا مرة إنت تكسري جزاز النيش دا لو عيل من عيالك اللي عملها ما حد كان جاب صوتك دلوك.
دنت تميل نحو الكاسات المتناثرة على الأرض وتلملمها تبرر فعلها بهدوء مستفز باب النيش اتقلع في يدي وأنا بمسحه وطيح الكام كاسة دول من غير جصد حاجة مش مستاهلة أعصب عليها نفسي أصلا.
وووه... تمتم بها بذهول يضع كفا فوق الآخر مردفا اسم الله على العجل والكمال طب ربنا يديمها عليكي يا أختي بس أنا مش هدفع ولا مليم في تصليحه واللي كسر حاجة يتكفل هو بيها بلا جرف!
ختم كلماته ليعود إلى جلسته الأولى في تدخين الأرجيلة ينفث بها غضبه أما هي فقد فاض بها لتترك كل شيء من يدها وتندفع إليه بسؤالها
طب أنا عايزة أتأكد من الأخبار اللي وصلتني ولا ريح جلبي وكدبها أحسن... إنت صحيح ناوي تردها بالوعود اللي سمعتها ولا هو تأليف من الناس بيزودوا وينجصوا فيه من عندهم عشان
يفرسوني إنت لا يمكن تبقى مغفل