قلبي لمن بقلم امل نصر ج2
المحتويات
الحقد بداخله يرمقها بنظرات نارية ومتوعدة وهي تتحرك لتذهب
فتركت الطاولة وخرجت تجري من امامه. فتسيل على خديها دموع تحرق عينيها لم تكن دموع ضعف بل دموع صدمة من بشر يبيعون ويشترون في المشاعر وكأنها بضاعة رخيصة. لم تكن تدري أن عبد الرحمن الذي كان يراقب خروجها من الشركة بقلق قد تملكته الظنون وأن مواجهتها القادمة معه ستكون اختباراً آخر لكرامتها.
.........................
عادت ياسمين إلى المنزل تجر أذيال خيبةٍ لم تتوقعها وقرفاً يملأ حلقها من ذلك المتبجح. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها وكأنها تغلقه على العالم أجمع. رمت حقيبتها بعنف وجلست على طرف سريرها تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة.
كيف؟ سألت نفسها بقهر كيف يجرؤ أن يظن ولو للحظة أنني سأقبل به؟ أيظنني سلعة تُباع وتُشترى أو جائزة ترضية ينتقل إليها بعدما ملّ من أختي؟ لكن العجب سرعان ما تلاشى ليحل محله إدراكٌ مرّ؛ فأهلها هم من رسموا له هذا الطريق. تساهلهم معه وفتحهم أبواب البيت له وكأنه واحد منهم قبل الأوان وتدليلهم لسما على حساب كرامة ياسمين.. كل ذلك غدّى داخل جمال هذا الإحساس البغيض بأنه الغنيمة التي يحق لها الاختيار والتبديل كما يشاء.
حانت ساعة الغداء وارتفع صوت والدتها اعتدال من الصالة تناديها بآلية مفرطة دون حتى أن تقترب من باب غرفتها
ياسمين.. يلا الغدا جاهز اطلعي كلي لقمة معانا
ردت ياسمين بصوتٍ مخنوق محاولةً قدر الإمكان أن تبدو طبيعية
مليش نفس يا ماما.. سيبوني دلوقتي.
لم تكلف الأم نفسها عناء الدخول لتسأل ما بكِ؟ لماذا لا تشتهين الطعام؟ بل استمرت الحياة في الصالة وكأن ياسمين مجرد قطعة أثاث في زاوية الغرفة. لم تدخل سما المكتئبة التي لا تخرج من غرفتها إلا لمصلحة أو لتطلب شغلة من ياسمين ولم يدخل الأب ليطمئن.
استلقت ياسمين على سريرها ونظرت إلى سقف الغرفة بمرارة. شعرت أنها منسية تماماً؛ ففي هذا البيت يُسمح لسما بالانهيار والاكتئاب لأنها الصغيرة المدللة ويُسمح للأب والأم بالحزن عليها ومواساتها. أما ياسمين فمن حقهم أن يتركوها وحيدة ليومين أو أكثر لا لثقتهم في عقلها وحكمتها كما يدّعون بل لأنهم استسهلوا صمتها واعتبروا صمودها فرضاً واجباً.
إحساسي فليذهب إلى الجحيم؛ هكذا همست لنفسها وهي تغمض عينيها بقوة. فالجميع هنا مطمئن لأن ياسمين عاقلة والعاقل في شرعهم هو من يبتلع جمره ويصمت بينما المجنون والأناني هو من يحصد كل الاهتمام.
وسط هذا القهر قفزت إلى مخيلتها فجأة صورة عبد الرحمن.. نظرته الطويلة لها أمام الشركة وشكوكه التي لمحتها في عينيه. شعرت بوخزة في قلبها؛ فبينما يتجاهلها أهلها تماماً هناك من يراقب تفاصيل حركتها ويشعر بنقص فرحتها حتى وإن كان ذلك بطريقة مستفزة تثير أعصابها.
.........................
دخلت ياسمين الشركة في الصباح كمن يدخل معركة عيناها المحتقنتان من قلة النوم أخفتهما بتركيز مبالغ فيه على أوراقها وخيوطها. انغمست في العمل لدرجة الإرهاق كانت تعاقب جسدها حتى يتوقف عقلها عن استرجاع كلمات جمال المسمومة أو مشهد خذلان أهلها.
ومع ذلك لم يكن من السهل تجاهل وجود عبد الرحمن. كان يمر من أمام مكتبها كغريب معاملته أصبحت رسمية لدرجة الجليد وجمل المشاكسة التي كانت تملأ المكان اختفت تماماً. كانت تلمح في نظراته عتاباً مكبوماً وكلاماً كثيراً يرفض الخروج مما جعل الحيرة تنهشها. أكيد أنا موهومة.. هو ماله ومالي؟ أنا هنا موظفة وبس هكذا كانت تبرر لنفسها وهي تغرس إبرتها في الجلد بقسوة.
حانت لحظة الاجتماع لمناقشة تسليم الطلبية الجديدة. جلس عبد الرحمن أمامها بوقار حاد ودار النقاش جافاً تقنياً وخالياً من أي روح. بعد أن انتهيا واتفقا على كل التفاصيل جمعت ياسمين أوراقها وهمت بالمغادرة لكن صوته استوقفها عند الباب كان صوتاً مخنوقاً بالفضول والقهر
آنسة ياسمين.. واضح إن المشاوير الخارجية واللقاءات المفاجئة بدأت تأثر على المواعيد يا ريت نركز في الشغل الفترة الجاية أكتر.
تسمرت ياسمين مكانها واستدارت ببطء مستغربة من نبرته المبطنة
حضرتك تقصد إيه؟ أنا تسليماتي في موعدها ومفيش لقاءات أثرت على شغلي.
بدأ عبد الرحمن يفقد سيطرته على هدوئه المزيف ووقف خلف مكتبه وهو يرمقها بنظرة حادة
أنا مقلتش أثرت على الجودة أنا بتكلم عن الجو العام. الشركة هنا مكان للشغل مش لمقابلات شخصية عند الباب الخارجي مع ناس غريبة.. إلا لو كان الشخص ده يهمك لدرجة إنك تخرجي معاه في وقت العمل.
شعرت ياسمين بالإهانة وقررت مراوغته ببرود مستفز
والله دي أمور شخصية وأنا حرة في وقتي طالما شغلي خلصان متهيألي مفيش داعي للتحقيق ده.
هنا انفتح بركان الغضب عند عبد الرحمن وضرب بيده على المكتب وهو يصيح بعصبية
لا بقى مش حرية شخصية لما أشوفك خارجة مع واحد وانا معرفش مين ده؟ لازم اضايق. حضرتك عاملة فيها الوقورة والمتحفظة تخرجي مع الشخص ده بالذات ليه بقى؟
فقدت ياسمين أعصابها هي الأخرى واشتعلت عيناها بالدموع والغضب وصرخت فيه دون وعي
عشان ده كان خطيب أختي يا أستاذ عبد الرحمن! جمال اللي كان جاي بخصوص أختي بعد ما حصل مشكلة كبيرة ما بينهم أدت لفسخ خطوبته منها.. ارتحت دلوقتي؟ ارتحت لما عرفت اني أجبرت على الخروج معاه عشان أوفق ما بينهم رغم أني ما بطيقهوش من الأساس.
ساد صمت مفاجئ وصادم في
متابعة القراءة