لأجلها بقلم أمل نصر الفصل السادس
المحتويات
حمزة!
قال الأخيرة بصوت خفيض وقد ابتعد بمسافة كافية مكنته من صعود الدرج سريعا كي يختفي من أمامهن. فتبادلت الاثنتان السؤال بدهشة
حمزة!
أما هو وقد استقر في مكانه ينتظر خروج الأم وابنتها وشقيقها ليوصلهم.
كما توقع داخله فوجئ بها تطل أمامه بمفردها تسبقهم. ولم يكن السبب غريبا على شخصيتها رغم معرفته القصيرة جدا بها.
فقد كان يعلم أنها ستأتي. العزيزة الحرة لم تتقبل ما أجبر شقيقها عليه بالخدعة.
راقبها وهي تقترب منه بخطوات يزينها الحياء تلتف حول وجهها البردة التي تحجبها عن أعين البشر وتحميها من مكرهم.
هي الفتنة بحق امرأة كاملة بحق تخفي ذاتها عن النفوس الطامعة. وهو أخيرا قد وجد ضالته فيها.
اعتدل في وقفته فور أن اقتربت منه فتخاطبه بصوت بالكاد يخرج من فرط خجلها
سلام عليكم انا كنت جاية اااا
مش هقبل......
نعم....
صدرت منها نظرة لتقابل عينيها الجميلتين خاصتيه تلك التي لم تفارقهما طوال الوقت. وتلك الهالة من الغموض التي تحيط به جعلته يطالعها بجرأة تثير حقا دهشتها رغم حديثه العادي.
بوفر عليك يا ست مزيونة عشان منكررش نفس الجدال اللي تم مع استاذ وصفي.
هبت روح الاعتراض فيها ترفض بعنف
كيف يعني انا مرضهاش الله يخليك مت...
الله يخليكي انتي متزعلنيش
قاطعها بها ليواصل بحنكته
ياريت متخدهاش على كرامتك او عقلك يصور حاجة ابعد من قصدي انا اتحطيت في موقف امبارح بالصدفة وشوفت اللي كان السبب في اللي حصل لليلى تصرفي تم كنوع من الاعتذار ليها عيلة صغيرة ودي حاجة اكبر طاقتها.
تمتمت بغصة مؤلمة في حلقها.
بس الكلام ده يتسئل عنه ابوها مش انت .
ميخصنيش بيه لانه ميستاهلش انا بتكلم عن احساسي البنية شوفتها زي ولدي ريان على فكرة الفرق ما بينهم مش كبير.
أحرجها بذوقه لتردف بحرج
ربنا يخليلك ريان يا ابو ريان بس برضو......
ما أجمل نطقها بلقبه المحبب مما يعزز إصراره حتى وإن اضطر إلى أن يترجاها.
ارجوكي يا ست مزيونة تجبري بخاطري في الموضوع ده الحكاية اصلا مش مستاهلة والله.
لا طبعا مستاهلة.
تمتمت بها بضعف وقد تأثرت من رجائه قبل أن تنتفض فجأة إذ خرج صوت من داخل السيارة قبل أن يطل رأس صاحبته من النافذة المجاورة لها.
لا مش مستاهلة يا مزيونة ولميها بقى وخلينا نروح قبل ما اتحمص في العربية وجوزي ما يعرفنيش.
شهقة مباغتة خرجت منها ويدها امتدت غريزيا إلى موضع قلبها ما لفت انتباه ذاك المتربص بها ليغمره الامتنان تجاه شقيقته التي تسببت في ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم خلعتيني يا منى.
ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتي الأخيرة تأثرا بما رأته من رد فعل على وجه شقيقها الذي انفضح أمره أمامها كالصغير الذي غادر.
اسم الله عليكي من الخلعة يا حبيبتي ما تسمعي الكلام بجى يا روح جلبي اخويا دماغه جزمة جديمة هتتعبي نفسك في اللت معاه على الفاضي روحي هاتي ليلى الله يهديكي جوزي هيطلجني يا بت.
همست الأخيرة بصوت مبحوح بفكاهة لتجعلها تضحك على غير إرادتها حتى أظهرت الصف الأمامي من أسنانها البيضاء قبل أن تستأذن مغادرة من أمامهم بخجل.
ارتسمت ابتسامة على وجهه في أثرها وقد فرقعت البلونات حوله ورفرفت في معدته الفراشات بعدما فاز أخيرا برؤيتها باسمة وضاحكة. ولكن منى انتشلته من عالمه الجميل وهتفت به
خلاص يا خوي لمها مش هنجضى احنا باقي اليوم في جو صلاح ذو الفقار وشادية.
طلت برأسها نحو باب الشقة المغلق منذ الأمس ويدها تضرب على ذراع الأريكة التي مرت بجوارها وهي تقطع مسافة المدخل ذهابا وإيابا دون هوادة. كم كانت أمنية تتمنى أن تتحقق بمغادرة غريمتها وابنتها عن المنزل وعالمها كله. ولكنها فقدت فرحتها بفضل هذا الأحمق زوجها الذي جعل سيرتهم كالعلكة على الألسنة بعد فعلته. وبعد أن كسبت هي شوطا كبيرا في نشر ما حدث أمام الغريب والقريب والجيران ليعرف الجميع طباع تلك المتمسكنة التي تستقطب عطف الجميع ومحبتهم على مدار سنوات وهي في الحقيقة قليلة الأدب والحياء لم تراع كرامة زوجها بل أهدرتها أمام الغرباء ولا حتى قدرت إكرام الضيوف.
اه يا ناري.
صدرت منها بعمق ما تحمله داخلها من نيران وغليل نحو تلك المزيونة وابنتها وقد خرجت من المنزل رافعة رأسها منتعشة وكأنها خرجت لحريتها. لم تر بعينيها الذل الذي كانت تتوقعه بعد طردها شر طردة أمام كل من يعرفها. والأمر من كل ذلك هو ما حدث من هذا الأحمق آخر الليل ليجعلها فضيحة أمام العائلة. لقد أفسد كل شيء وبدا واضحا أنه يريد إرجاعها إليه حتى لو أنكر أو هي رفضت. يريد إخضاعها ونيل ما حرمته عليه عدد لا بأس به من السنوات. هي أعلم الناس بطبعه. تبا له إن فعلها واستطاع إعادتها إليه مرة أخرى.
المرة دي هجتلها بيدي
قالتها بصوت مسموع وقد أفصح اللسان عما يدور برأسها وتتوعد به داخلها.
..................................
ها قد وصلوا أخيرا فوقف بالسيارة أمام المنزل القديم. نظر حوله في الأراضي الزراعية الممتدة ليغمره شعور بعدم الارتياح. كيف له أن يتركهما وحدهما هنا خاصة مع إصابة ليلى الصغيرة
هو انتوا متربيين هنه بالفعل جوه البيت ده
توجه بالسؤال نحو الشقيقين فأوقفهما عن الترجل قبل أن يتكفل وصفي بالرد ضاحكا
اااه يا سيدي متربيين هنه وعمرنا ما خوفنا اننا وحدينا البيت على ارضنا يعني كنا نطلع الجاموسة تاكل في الزرعة من غير ما نحتاج نحش لها البرسيم ولا نتعب نفسنا تشرب من حوش الميا اللي بنسجي منه الزرعة وترعى هي وعيالها وتجيب احلى لبن تحلبه امي طازة نشربه والباقي نعلمه سمن وجبن ونعيش عليه ياااه يا عم حمزة فكرتنا بأحلى ايام ياريت بس يرجع نصها.
صدرت الأخيرة بشجن حقيقي ارتد على مزيونة التي غامت عيناها بتأثر واضح تجلى في نبرتها.
مش بس احلى ايام دي العمر الحقيقي اللي يتحسب من كل السنين اللي عشناها......
توقفت لتخرج تنهيدة خافتة ثم همت بتحضير ابنتها للترجل من السيارة فتابع هو مستفسرا
يا جماعة انا بسأل عن البنت العيانة لامؤاخذه يعني هي عايزة وكل زين ونضافة والبيت بالاكيد لسة متوضبش للسكن ف....
قطع كلامه بتردد وتفكير فيما إذا كان من المناسب عرض ما يدور في ذهنه لكن وصفي وفر عليه ذلك بقوله
لا في دي متشلش هم الجماعة جات من الصبح هي والعيال وضبوا البيت بما يؤدي الغرض وحضروا وكل لليلى كمان.
اااه طب الحمد لله تمتم مدعيا الارتياح ليغلق فمه عن الجدال. وفور أن انفتح باب المنزل خرجت منه ثلاث فتيات صغيرات لاستقبالهم وقد بدا عليهن رهبة تلاشت بمجرد أن ظهرت أمامهن ليلى حين ترجلت من السيارة.
ليلى ليلى مالو دراعك يا ليلى
براحة عليها لا تؤذوها...
وصل إلى أسماعه الصوت المألوف وبداخله يتمنى تكذيب أذنه لكن مع تجمد الفتيات ورقابهن التي توجهت للخلف تأكد بالفعل من ظنه. ليترجل من السيارة مغلقا الباب خلفه بقوة ومتوجها بأبصاره نحو هذا الأحمق الذي كان قريبا منهم يسارع بالتلطيف
معلش انا تبع الجماعة مش غريب انتو اتأخرتو ليه يا جدعان بقالي ساعة مستنيكم تجاهل وصفي الرد عليه ليسحب
متابعة القراءة