لأجلها بقلم امل نصر ج٣ من الفصول الواحد والعشرون الى الثلاثون
المحتويات
الدار حتى وإن كانت تجهل هذه الصفة حتى الآن
وكأنه عاد إلى أيام الصبا واندفاع المراهقة
تحركت أقدامه دون تفكير نحوها يلتقط فرصته في الحديث معها
مجولتيش رأيك إيه في البيت
شهقة أجفال صدرت منها بصوت عال حتى سقط منها كوب الماء بما يحتويه على الأرض
بعد أن فاجأها بحضوره وقوله لتستدرك سريعا متوجهة إليه بنظرة نارية
ويدها لوحت إليه باستفهام لاهث فالتقطها بفطنته يعلق بمرح
سلامتك من الخضة أنا كان جصدي أسألك بس مش أخلعك
ألقت نظرة سريعة إلى الخارج بتوتر ثم عادت إليه موبخة
وفرجت إيه انت أصلا إيه اللي جايبك هنا سايب كل اللمة اللي برا وجاي لي أنا
رد يتحفها بابتسامة عابثة غير مكترث
وأسيب العالم كله كمان وأجيلك يهمني أعرف رأيك رأيك أهم عندي من الكل
يخرب مطنك
تمتمت بها تغمض عينيها بتعب ثم أردفت
يا سيدي هو انت طلعتلي منين مالي أنا ولا انت مالك بيا عشان يهمك رأيي دا بيتك وانت حر فيه عملته قصر ولا عشة أنا إيه دخلي
التمعت عينيه ببريق خاطف تتجلى فيهما الإجابة بكل وضوح حتى دون أن ينطقها يراوغها بمكر
وه ولما انتي إيه دخلك أمال مين اللي له دخل هو البيت اتبنى هنا ليه أصلا
تلك السهولة التي تحدث بها وعيناه تنطقان بما لا يدع مجالا للشك في صدقه
لتتجمد في مكانها كالتمثال تعاد الكلمات بذهنها مرارا وتكرارا والمعنى يتجلى أمامها بوضوح الشمس
حتى تمكنت من الرد أخيرا بتلعثم وهروب
كنك شارب وجاي تستظرف سيبهولك خالص البيت اللي انت فرحان بيه ده
كادت أن تلتف وتذهب ولكنها وجدته يتصدر أمامها بابتهاج يغمر قلبه
هروبها المتعمد وارتباكها الملحوظ أمامه الآن كل تلك المظاهر تؤكد تأثيره الطاغي عليها حتى وإن أنكرت
انت بتتصدر جدامي زي العيال الصغيرين زودتها جوي قسما بالله لو ما اتزحزحت من جدامي لأفضحك وأجلبها ليلة طين
ضحك بعدم اكتراث بكل ما أردفت به مرددا
بعد الشر ما تبجى طين ولا زفت إن شاء الله هتبجى فل وآخر تمام البيت كمل واتبنى ومعدتش فاضل كتير
ختم بتنهيدة ساخنة قبل أن يتحرك ويتركها
هااانت هاااانت
توقفت في أثره تتبع خروجه واختفاءه من أمامها
بدوار بات يطيح برأسها وأقدام لا تقوى على حملها وكأن الأرض ذاتها تهتز من تحتها
وما عادت ثابتة كما عهدتها دائما
ماذا تبقى ليطلبها صريحة وإن فعل ماذا سيكون ردها
ما شاء الله دا الحلوة عايشة في الدور على آخره كمان
ذلك الصوت الأنثوي الذي أتى من البعيد أعادها إلى عالمها الحقيقي
فتحت عينيها جيدا نحو تلك المرأة التي تتربص بها منذ حضورها
تقف مقابلها تماما تطلق شررا من ناريتها قادرا على حرق من يقف أمامها
تحدثت مزيونة بتشتت بالكاد تستوعب ما يحدث
فيه إيه انتي بتكلميني أنا
أمال يعني بكلم خيالك ياختي
صدرت منها كرد يصعق مزيونة بجرأتها وقد تحولت إلى امرأة أخرى
تنزع عنها ثوب الرقي الذي تتحلى به أمام الجميع
مستغلة غياب المدعوين يساعدها الصوت العالي للمديح الذي أصبح يصدح بقوة
مع مشاركة الرجال لتفرغ بحرية شحنة الغضب المكبوتة في صدرها
فكراني عامية ولا مغفلة على عمايلك المكشوفة مع أبو ابني
بتلفي وتدوري حواليه زي الحية
وكأنها في كابوس حقيقي تكذب أذنيها وعينيها ما تسمعه أو تراه
وعقلها يأمرها بالشجاعة والثبات أمام تلك المخلوقة
انتي مرة جليلة أدب ومش محترمة وأنا لولا عاملة احترام للبيت اللي واقفة فيه وناسه كنت عرفتك مجامك
تعرفي مين مقام مين يا حيوانة
تطاولت هذه المرة لتمعن في إهانة مزيونة تمسكها من طرف جلبابها بازدراء
تواصل تحقيرها أمام نفسها
بزمتك انتي مش دريانة بنفسك بترسمي على حمزة خريج الجامعة وابن العيلة المأصلة
ده أنا مشغلكيش خدامة عندي بمنظرك ده أقل واحدة عندي معاها كلية أو معهد على الأقل
ما تصحي لنفسك يا حلوة ده انتي شهادة الإعدادية ما خدتهاش
الصدمة التي تباغت الإدراك وسط سطوة الإهانة على عزة النفس
فتعقد اللسان وتحدث في الجسد جمودا يماثل الشلل
حتى يستوعب الشخص ما يحدث ثم يأتي رد فعله
كانت هذه حال مزيونة حتى أتت يد تعرفها جيدا تبعد تلك المرأة عنها
وتتصدر هي لها صائحة بها
بتعملي إيه يا مرة يا مخبولة شيلي يدك عن أمي بدل ما أجطعهالك
كانت تلك ليلى التي هالها مشهد والدتها وإهانتها من تلك المرأة
فأتت راكضة للزود عنها تدفع روان بقوة حتى كادت أن توقعها
وكأنها تحولت إلى وحش للدفاع عنها فتدخلت منى هي الأخرى بعد أن
وصلت خلفها تحدجها المذكورة بنظرة نارية
لتضطر الأخرى إلى التبرير لها
أنا آسفة يا منى بس والله غصب عني
شهقة قوية كانت هي الرد الذي جاء متأخرا من مزيونة في تناقض واضح مع ابنتها التي كانت واعية تماما لأخذ حق والدتها فارتفعت يدها لتحط على خد الأخرى ب لطمة قوية صرخت على إثرها روان بألم يتبعها قول ليلى
جطع لسان اللي يجيب سيرة مزيونة الحرة بكلمة واحدة
وعلى الرغم من مباركة منى لفعل ليلى إلا أن ما حدث بعد ذلك جعلها تعيد التفكير فقد علا صوت روان قاصدة أن يصل للنساء المتابعات للمديح بالقرب منهن
قبل ما تمدي إيدك على أسيادك لمي والدتك اللي هتبقى جدة بعد كام شهر عن أبو ابني اللي عايزة تكوش عليه وتحرمه من لم شملنا من تاني
تاني هتجلي أدبك النهاردة والله لأربيكي يا مهزجة عشان تعرفي مين سيد مين
هتفت بها ليلى وهمت بالهجوم عليها بالفعل ولكن مزيونة كانت الأسرع فتشبثت بابنتها ومنعتها أما منى التي ارتجفت من تطور الموقف فقد بدأت تدفع روان لإخراجها
امشي يا روان امشي يا روان إنتي مش كد غضب حمزة لو عرف
كادت أن تنجح في صرفها لولا صيحة أتت من الخلف
إيه اللي حصل مالها ليلى شابطة ليه في روان وبتتعارك معاها
كان من البديهي تمييز هواية صاحبة الصوت هالة لتشرع في إسكاتها لكن ما لم تحسب حسابه هو عدد السيدات اللاتي قدمن خلفها يتساءلن
فيه إيه حصل إيه يا جماعة
الحقيني يا هالة منى عايزة تطردني عشان ب
قطعت مجبرة حين وضعت منى كفها على فمها تصمتها طالبة من النساء التراجع
لو سمحتوا ارجعوا مكانكم دا شأن عائلي
تدخلت حسنية وقد أتت بحالة من الفزع لتوجه سؤالها إلى ابنتها ببساطتها
هو إيه شأن عائلي إيه اللي حصل يا بتي
ظلت منى بكفها فوق فم الأخرى تفكر سريعا في حل تنقل نظرة خاطفة نحو مزيونة التي تتمسك بها ابنتها خشية سقوطها فقد كانت في حالة يرثى لها ولكن قبل أن تجيب سبقتها هالة
شكلها عركة كبيرة بين ليلى وروان عشان حد من العيال دخل عليا وبلغني وأنا بتفرج معاكم على المديح إن ليلى ضربت روان بالقلم على وشها
شهقات وهمهمات صدرت فجأة من النساء وقد توجهت أبصارهن نحو ليلى التي لم تستطع ترك والدتها وقد بدت أمامها كالغريق الباحث عن طوق نجاة فتحدثت مقلدة نبرة منى في الحكمة
زي ما جالتلكم عمتي منى موضوع شخصي
موضوع شخصي وهي بتلعب معاكي يا بنيتي دي روان بت أصول ومافيش في أدبها
صاحت بها إحدى السيدات مع تناثر بعض التعليقات حتي عادت هالة للتدخل مع تراخي الأخرى بدأت تخشى نتائج تهورها
ولما هو موضوع شخصي بينك وما بينها دخله إيه عمك حمزة مع سيرة مزيونة اللي اتنتورت كمان واحنا داخلين عليكم وسمعناكم
ارتخت ذراعا منى عن إسكات روان بيأس وقد دب الحماس بالأخيرة لتخرج نفسها عنوة مدفوعة بكلمات هالة التي شجعتها على المواصلة فتردف بمظلومية
أيوه هو سبب المشكلة يبقى حمزة أبو ابني اللي بيحلم باليوم اللي نرجع فيه ونعيش سوا الست دي هي اللي عايزة تضيع الأمل بينا بألاعيبها
جطع لسانك إنتي تاني هتجلي أدبك
صرخت بها ليلى تحاول الفتك بها ولكن هذه المرة منعتها امرأة كانت بالقرب منها ووالدتها التي تماسكت لتتشبث بها هاتفة
سيبك منها وروحي على بيتك أنا كمان ماشية خالص وسايبة البيت ده
عم الهرج مع تدخل بعض النساء لفض الاشتباك بين الفريقين روان التي تبكي بمظلومية ومزيونة التي تحاول الخروج والنساء يمنعنها ويحاولن السيطرة على ليلى التي كانت مصرة على ضرب روان مرة أخرى حتى صدح الصوت الجهوري بخشونة أوقفت الجميع
إيه اللي جرى صوتكم واصل للجسر اللي ورا البيت حتى الشيخ في المندرة بطل مديح من كتر صراخكم اللي غطى عليه مالكم اتجنيتوا
خرست الأصوات جميعها وخيم الصمت على الرؤوس روان صارت ترتجف لرؤيته وذلك الوجه الصارم بحدة الذي تعرفه جيدا من عشرتها معه هيبته التي أرعبت حتى النساء اللاتي لا شأن لهن بالأمر من الأساس وقد بدا كالحائط بوجهه المشتد بتجهم يقف بجوار شقيقيه اللذان لا يقلان عنه حزما
فتحدث خليفة هو الآخر
خرستوا دلوك بعد ما جيبتولنا الفضيحة جدام الناس الغريبة
أضاف عليه معاذ
أيوه والله دلوك لبدتوا في بعض زي البسس بعد ما خدنا الكسفة ووشنا بجى في الأرض مش عارفين نلمها إزاي دلوك عايزين نعرف مين منكم كانت بتتعارك
مرتك
صدحت قوية من إحدى السيدات وأكملت عليها
كانت بتتعارك مع طليجة أخوك روان وضربتها بالقلم على وشها
اتجهت أبصار الرجال الثلاثة نحو الاثنتين ليلى التي انتصب ظهرها تعترف دون تردد
أيوه ضربتها ومستعدة أضربها مية مرة تاني اللي يغلط في أمي أحطه تحت جزمتي
استمعوا إليها لتتجه الأنظار نحو الطرف الآخر بإستفسار وتحفز حتي ارتعدت مفاصلها لا تشعر بدقات قلبها يكاد أن يتوقف رعبا من نظرة حمزة الذي احمرت عيناه فجأة ينقل بصره من مزيونة إليها يتساءل بخطر
الكلام دا حجيجي وانتي فعلا غلطتي فيها
خرج صوتها على الفور تبرر بكذب وتلجلج
لا لا أنا مغلطتش فيها بنتها هي اللي فهمت غلط أنا أنا
تركها على مضض موجها أنظاره نحو مزيونة
أنا اللي غلطانة مش هي خلوني أعدي وسبوني أمشي الله يرضى عنكم من طلع من داره اتجل مجداره وأنا عرفت مجداري زين خلوني أعدي
لا طبعا محدش هيطلع من هنا غير لما أعرف كل اللي حصل
هدر بها حمزة قاطعا والجنون يتراقص في عينيه يردف موجها نظره نحو الجميع
واحدة فيكم ترد بدالهم يا أولع فيكم كلكم
ردت منى وقد تعبت من الجذب بينهن
فضها يا حمزة وخلينا كلنا نروح علي بيوتنا وبعدين يبجى لينا كلام تاني
وبثقة في حكمة شقيقته كاد أن يقتنع ويؤجل التحقيق رغم الحيرة التي تأكل رأسه ونيران الحماية تدفعه لحرق الأخضر واليابس دفاعا عنها حتى كاد يلين رضوخا لنظرة استجداء ترمقه بها ولكن هالة التي قرأت ما ينويه أبت أن ينتهي الأمر بذلك الهدوء لتلفت الأنظار نحوها قائلة
وحتى لو أجلتوا الكلام لبعدين احنا يا بوي منعرفش حاجة الأمر كله في يد التلاتة روان ومزيونة بيتعاركوا على حمزة وليلى طبعا في صف أمها
إلى هنا وقد فاض الكيل وطفح صرخت بها مزيونة
بتقولي إيه انتي كمان الله يخرب بيت أبوكي خلوني أمشي خلوني أمشي
دافعت هالة تدعي الفهم
يا بوي وأنا مالي أنا بقول اللي بعرفه وبس
صاح خليفة مقاطعا لها بحزم وعنف
اخرسي يا هالة ما أسمعش نفسك خالص
حدجتها منى بنظرة قاتلة وقد فقدت الأمل في تهدئة الأمر مع انتباهها لملامح شقيقها التي تبدلت إلى شر مطلق نحو روان التي اجفلت من فعل هالة فباتت تتخبط في حديثها
هي مكانتش خناقة أنا بس كنت بنبه عليها دا غير إني شفتكم بعيني من شوية وانت بتحاول قصدي
جفلي
صاح بها بقوة ليوقف هذيانها في الحديث وقبل أن يرمش بعيناه نحو تلك التي طالتها هذه الكلمات سمع صوت ارتطام قوي يتبعه صرخات ليلى التي سقطت معها على الأرض وهي تحاول نجدتها تتخبط بجزع أنساها وضعها كامرأة تحمل طفلا في بداية شهوره
أمي أمي أمي هتروح مني
التف
الجميع حولهما من أجل تهدئتها وإفاقة والدتها أمام أبصار من كاد أن يلمس السماء عجزا عن الاقتراب منها حتى نسي تلك المدعوة روان وثأره معها وقد هربت المذكورة راكضة نحو الخارج بعد تفاقم الموقف
معاذ الذي لف ذراعيه حول زوجته ليرفعها عن الأرض يحاول تهدئتها كي لا تؤذي نفسها بتلك الأفعال لكن حالتها لم تكن طبيعية على الإطلاق ذلك الضغط الجديد جعلها تقاوم بانهيار وصراخ ورفض حتى لسماع الآخرين
بعد عني سيبوني أنا عايزة أمي عايزة أمي يا معاذ
اهدي بجولك يا بت أمك هتفوق دلوك إنتي اللي هتضيعي نفسك
تدخلت حسنية التي يكتنفها الرعب عليها الوجه النصائح لها وابنها
يا بتي أمك هتفوق دلوك وتبجى زي الفل وانت يا معاذ براحة عليها يا ولدي يمكن تهدى
براحة فين يا أمه هو أنا جادر عليها هتأذي نفسها والعيل الله يخرب مطنها
حتى صراخه وقوته التي فرضها للسيطرة علي تشنجها وتهدئتها كل هذا لم يأت بنتيجة
وفجأة ارتخت بين يديه أغمضت عينيها وتمتمت ببعض الكلمات غير المفهومة ثم غابت عن الوعي هي الأخرى
داخل المشفى الذي نقلت إليه الاثنتان وللمرة الثانية تحتل كل واحدة منهما غرفة منفصلة كأن بين الأم وابنتها ارتباطا روحيا عجيبا وكأنما خلقتا توأمين متطابقين يمرض أحدهما فيتأثر الآخر بمرضه فيمرض مثله
جلست حسنية على أحد مقاعد الانتظار تتمتم بحزن مرددة
عين وصابتهم عين ورشجت تعكنن علينا كلنا منه لله اللي عملها وجلب فرحتنا منه لله
تدخلت هالة متعاطفة
فعلا يا مرة عمي منها لله ربنا يجازيها بعملها
فهمت المرأة إلى ما ترنو إليه تقصد زوجة حمزة السابقة فحدجتها بنظرة غاضبة أخرستها وقد كانت في هذه اللحظة لا تطيق النظر إليها فاكتفت بالصمت مجبرة لتصطدم عيناها بعيني زوجها الذي هم بالتوعد قائلا
حاولي تنجطينا بسكاتك أحسن وراعي الظرف ولينا بيت نتحاسب فيه إن شاء الله
أما في داخل غرفتها فقد استفاقت لتعود إلى وعيها وكان وجهه أول ما وقعت عليه عيناها فتذكرت على الفور وصرخت به كأنما رأت عفريتا أمامها
أنا إيه اللي جابني هنا بتي فين عايزة أشوف بتي ودوني عند بتي
حاول حمزة بيأس أن يهدئها أو يجعلها تسمع منه لكنها كانت كالمجنونة لرؤيته ومع كل محاولات شقيقاته لم يفلح أحد في تهدئتها لتصر على الذهاب إلى ابنتها وتخرج برفقتهن تاركة له الغرفة يغمغم متوعدا في إثرها
والله لأجيبلك حقك ولو في خشم السبع مبقاش حمزة القناوي إن ما كنت أجيبه
يتبع
الفصل الثامن والعشرون
لم أولد من رحم الراحة بل من أنين امرأة أجهدها الزمان كانت تنهض كل صباح وقد تقوست أحلامها لكنها ما انحنت يوما إلا لتحميني.
رأيتها تخفي دموعها في حنايا المطبخ تخبئ أوجاعها خلف ابتسامة متعبة وتلقي بحزنها في قدر الطعام كي لا يصل إلي.
كنت أفهمها دون أن تبوح وكأن بيننا عهدا غير مكتوب أن لا أكرر خيبتها وأن أكون ما تمنت أن تكونه ولم تمهلها الحياة.
لذا أمضي لا طمعا في مجد ولا حبا في صدارة بل لأرد شيئا من دين ثقيل في قلبي.
كل إنجاز لي هو قبلة على يد لم تعرف الراحة
وكل خطوة للأمام هي خطوة نحو صدر طالما ضمني حين كانت تتداعى من التعب.
لن أخذلك
لن أكون نسختك بل امتدادك المشرق.
الخاطرة والمراجعة من الغالي اللي تعبان معايا وسهران سنا الفردوس
..........................
الفصل الثامن والعشرون
فعلت كل شيء من أجلها ضحيت وفعلت المستحيل حتى لا تتكرر مأساتي معها وبرغم كل حرصي وتضحياتي ها أنا أتجرع المرارة مرة أخرى ولكن هذه المرة أقسى وأبشع. هذه المرة الضحية صغيرتي... ليتني مت قبل هذا اليوم! لماذا يا ربي لماذا لا يكتمل مشواري لماذا بعد تلك المسافة الطويلة التي قطعتها لماذا والخسائر المضاعفة الآن تتعدى حتى كرامتي
حديث النفس ذلك الذي يدور داخلها في وحدتها داخل منزلها بعد أن انتهت الليلة الكارثية. انكسار الروح الذي ألم بها والتجني عليها لتختم بما حدث لصغيرتها حين أفاقت من غيبوبتها لتجري إليها وترى ما بها فيصدمها الطبيب بما أدلى به بعد ذلك عن خطورة وضعها في تلك الشهور الأولى والتعليمات التي أصدرها بضرورة عدم الحركة حتى يثبت الحمل.
في أقصى توقعاتها المأساوية لم تتخيل أن تصل إلى تلك النقطة. هي لا تطلب الكثير ولا تريد سوى عدم تكرار ما حدث معها لصغيرتها ولكن القدر دائما له رأي آخر معها.
ضغطت على عينيها تمسح الدمعات الكثيفة بنشيج مكتوم وصل إلى تلك النائمة بجوارها زوجة أخيها الذي لم يتركها وأسرته منذ الأمس. لم يكتف بابنه حازم هذه المرة بل فضل أن يبيت هو وزوجته معها لرعايتها في تلك اللحظات القاسية.
وكما كانت تؤازرها بالأمس نهضت المرأة إليها وتهدهدها الآن
لساكي ما بطلتيش بكا يا جزينة هتموتي نفسك عالفاضي ليلى وبكرة تبجى عال العال وهتنجح وتبجى زينة. انتي بس اللي هتخسري صحتك.
ردت مزيونة ودموعها تغرق ملابس محروسة
ببكي عشان أنا خسرت فعلا مش لسه هخسر. كرامتي اللي اتدهست بتي اللي كنت معشمة نفسي بيها تتعلم وتبجى حاجة كبيرة لف الزمن وهتاخد نفس نصيبي...
عارضتها محروسة بغضب
بلاش كلامك ده يا مزيونة عشان بتك عمرها ما هتبجى زيك... أستغفر الله العظيم يا رب.
توقفت المرأة تهدئ من وتيرة انفعالها حتى لا تزيد على هذه المسكينة ثم تابعت ملطفة
هتخليني أخربط دلوك ليه بس يا بت الناس كل واحد بياخد نصيبه أصلا واللي بيحصل مع ليلى مجرد حظ إنما لو على النصيب بسم الله ما شاء الله هي مش محتاجة كلام. يكفي عمايل جوزها امبارح اللي كان هيمسك السما بيده عشانها ولا ناسه اللي شايلينها جوا عيونهم ولا حمزة...
ما تجيبيش سيرته.
هتفت بها بحدة حتى جعلت محروسة ترد بلوم
طب وهو إيه ذنبه يا حبيبتي الراجل في حاله وحال نفسه لا شاف المرة العفشة وكلامها السم ليكي ولا كان السبب في اللي حصل لليلى.
بس هو السبب دلوك في حرماني منها.
قالتها لتعود للبكاء مرة أخرى تنتحب
إيه اللي كان جابه هنا أصلا عشان يبني بيت جاري ويسكن فيه جاب لي الكلام والحديت ودلوك عجدها معايا في زيارة بتي أدخل بيتهم إزاي بعد اللي اتقال امبارح أحط عيني في عين نسايبي كيف وأنا مخي بيدور في الشك إنهم يصدجوا منها لله اللي اتبلت عليا كسرت نفسي وهزت كرامتي.
معاش ولا كان اللي يكسر نفسك ويهز كرامتك يا بت.
صدحت قوية من صاحبها الذي توقف على مدخل الباب وقد سمع معظم الحديث في متابعته لهما منذ لحظات ليردف بتحفيز
النهاردة هاخدك في يدي وهنروحلها الكل يعرف زين مين هي مزيونة الحرة وانتي مش محتاجة إثبات.
رفعت رأسها إليه بانكسار
يا ريتها سهلة كده يا واض أبوي يا ريتها. لو هما ما شربوهاش ولا خالت عليهم غيرهم بلعها وصدقها. الحريم اللي حضروا العركة امبارح ولا حتى العيال الصغيرة اللي هينجلوا لأمهاتهم وأهاليهم هتجفل خشم مين ولا مين
عنهم ما جفلوا إحنا مين هيهمنا مدام واثقين من نفسنا
صاح بها وصفي لتجادله مرة أخرى بيأس
بتقول كده عشان راجل لا عمر الكلمة هتأثر فيك ولا النظرة تجرحك زيي. المرة في بلادنا هي الحيطة الواطية عشان تشيل كل النصايب. المرة في بلادنا حتى لو انجبرت على الغلط برضو بتدفع التمن واللي جبرها محدش بيقربله. قانون الظلم اللي ماشي على الكل هينصف مزيونة!
تكلفت محروسة بالرد عليها هذه المرة
بس قانون ربنا فوق كل قانون. ربنا منتقم جبار وعدل ومنصف كمان. وانتي يا حبيبتي اتظلمتي كتير واتحملتي تفتكري يعني بعد ده كله مش هينصرك لو ظنيتي غير كده يبجى انتي مش واثقة في عدل ربنا.
ونعم بالله مين قال اللي كده بس
قالتها تمسح دمعاتها متمالكة لبأسها بعض الشيء.
أضاف وصفي يضع شيئا من الأمل داخلها
خلاص يبجى ما تقطعيش أملك بربنا واللي حلها الأول يحلها في التانية والتالتة. ربك كريم يا خيتي وانتي متعرفيش بكرة مخبيلنا إيه
...............................
أما عنه فكان الألم مضاعفا خنجر الغدر الذي طاله بالتجني على من امتلكت قلبه. كيف تهاون حتى سمح لهم بجرحها أمام الملأ كان يعلم من البداية أن قوتها الزائفة ما هي إلا ستار تحتمي به من أذى ألسنة البشر وأفعالهم. في داخلها امرأة هشة تجاهد الثبات ولكنها لم تشف من جروحها بعد تحتاجه ليرمم المكسور بها كي يعيد إليها ذاتها التي غابت عنها. يحتاجها كي يكتمل بها فهو ناقص بدونها وكأنها ضلع من جسده غائب عنه. لن يهدأ حتى يأتي بها فيشفى بها وتشفى به.
ولكن كيف له أن يفعل هذا بعد ما حدث
نار تحرق أحشاءه كلما أتى بذهنه نظرتها الكارهة له بالأمس. هو لم يفعل ما يستحق عليه ذلك لكنه قصر وهذا ما لن يسامح عليه نفسه أبدا.
لابد أن تعرف مقدارها عنده لابد أن يأخذ حقها ممن تسببوا في جرحها أضعافا مضاعفة وأن يتحقق هذا عاجلا لا آجلا.
انتفض معتدلا بوقفته خلف ستائر نافذة غرفته التي ينظر منها اليوم نحو باب منزلها حتى لا يزعجها بحضوره كما يفعل يوميا فتأخذ حريتها دون قيد كما يحدث الآن وهي تودع شقيقها خارج باب منزلها. ليرتشف رؤيتها بعطش السنوات بعد ليلة كاملة قضاها سهرا يموت من القلق عليها. بشرتها شاحبة وعيناها منتفخة من أثر البكاء. تضم شالها حول جسدها وكأنها تحتمي به تتقبل التهوين من شقيقها الحنون كما يبدو والذي كابنته من كتفيها ليضع فوق جبهتها ثم يودعها ويذهب إلى عمله.
فتوقفت هي تنظر في الأجواء حولها
حتى استقر بصرها نحو الجهة المجاورة و... تبحث عنه. حتى وإن أظهرت الكره إليه بالأمس فعيناها لا إراديا ذهبت نحو الأريكة التي يجلس عليها المقابلة لمنزلها. انتفض قلبه داخل صدره ود أن يصرخ ويخبرها أنه هنا ولن يتخلى عنها أبدا. أن يقفز من النافذة ليركض إليها و...
توقف فجأة سيل الأماني ليحل محله الإحباط واليأس حين عادت إلى منزلها تدخله وتتخفى داخله بعيدا عن عينيه. ليعود إلى رشده يسحب شهيقا كبيرا من الأكسجين ليهدأ من وتيرة الحماس الذي اشتعل الآن استعدادا للذهاب وفعل الشيء الذي كان يؤجله منذ الأمس.
.................................
توقف بسيارته أمام منزل والديها وانتظر لفترة من الوقت كي تترجل وحين لم يحدث التف يقابل عينيها ليجدها تنظر إليه باستجداء الأمر الذي استفزه.
ليتكلم أخيرا بعد فترة طويلة من الصمت...
انزلي يا هالة مستنية إيه
تحدثت بعصبية تلقي عليه باللوم
مستنية أشوف آخرتها! ما هو أنا مش جادرة بصراحة أعديها طليجة أخوك الشرشوحة هي اللي خربت الدنيا واتسببت في الفضايح امبارح. أنا بجي إيه ذنبي! بتمسكلي في الكلام وتحط عليا إني قولت وعدت ذنبي إني بتكلم بنيتي طب افرض إني كنت بخربط عشان مش فاهمة اللي بيحصل بدل ما تفهمني عايزة تخرب ما بينا يا خليفة! طب لو كبرت وأبويا عملها ومرضيش يرجعني تاني خواتك هينفعوك ساعتها يا خليفة
ظل صامتا يتركها تهذي بكل ما عندها حتى إذا توقفت أخيرا تحدث
خلصتي كلامك طب يا ستي أجيبلك أنا من الآخر كل العواطف والدراما اللي عملاها دي ما دخلتش في دماغي بنكلة يا هالة. روان اللي بجت شرشوحة النهاردة امبارح كانت صاحبتك وحبيبتك ولا هتنكري إنك إنتي اللي عزمتيها على فرح معاذ وبعدها خليتي رجلها تروح وتاجي على البيت! من إمتى كنتي بتحبيها يا هالة عشان تعزميها بنفسك على الفرح
ضاقت عيناه في كلماته الأخيرة يخترقها بنظرات ثاقبة تكشف أغوارها حتى أصابها الارتباك قائلة ببراءة تدعيها
وافرض يا سيدي حصل وعزمتها اعتبرها تقدير لعشرتنا مع بعض سنين. يبجى كده أنا اللي مسلطاها دي واحدة النار كلتها لما شافت عمايل أخوك مع المحروسة التانية اللي هتبجى جدة بعد كام شهر على رأي روان!
يعني هما الاتنين عوجين أنا إيه دخلي بقى!
تجادل باستماتة وكأنه لا يفهم ما برأسها تلك الصفة التي تغفل عنها دائما فيه يخدعها بصمته ولا تعلم بأنه يحلل كل فعل تفعله أو كلمة يتلفظ بها لسانها وما تحوي خلفها.
ولأنه الأعلم بغيرتها الواضحة من مزيونة قرر هذه المرة أن يوجعها كما فعلت هي دون أدنى ذرة رحمة بالأمس تساعد الأخرى بأسلوب غير مباشر لتزيد من بث الفتنة
مش ذنبها إنها اتجوزت صغيرة جوي وبنتها إتجوزت صغيرة زيها وأزيد بشوية بسيطة هتبجى جدة ومع ذلك برضو أصغر منك! ولا إنتي ناسية إنك كد مني يعني أكبر منها بسنة وزيادة
لأ مش ناسية.
هتفت بها بحدة حتى بدت كصيحة بوجهه مرددة
مكانش في أحن منك يا خليفة اتغيرت يا واض عمي وجلبت على أقرب واحدة ليك بت عمك أم عيالك! ده أنا لو بدبح يا شيخ من الواجب تعملي خاطر!
تجلت القسوة في ملامحه غير متأثر بتلك الخطبة التي أرادت بها استدراج عاطفته ليرد موجها الحديث نحوها بأمر
لولا إنك بنت عمي وإني محافظ على صلة القربة اللي بيني وبين عمي لكنت نهيت جوازنا من زمان حتى من جبل ما نخلف عيال لو تفتكري!
بس خدي بالك أنا صبري مش طويل جوي كده اللي ما بينا شعرة بإيدك إنتي بس اللي تجطعيها في أي وقت يا هالة.
ويلا بجى انزلي يا هالة بدل ما أنزل معاكي أنا وأبلغ أبوكي بكل اللي حصل وساعتها محدش يلومني في اللي هعمله. أخلصي!
.................................
استيقظت أخيرا من غفوتها الطويلة لتصطدم أبصارها بوجهه الذي يشرف عليها بمسافة قريبة جدا وكأنه على هذا الوضع لفترة طويلة من الوقت منتظرا إشراق الضوء بعسليتيها الساحرتين يتأملهما بانبهار واضح وحتى ينفي عن نفسه شعورا آخر بالاختناق يراوده
أهدته ابتسامة ما أروعها تبادله التحية
صباح الجمال على أحلى معاذ. شكلك صاحي من بدري ولا أنا اللي اتأخرت في النوم ولا إيه بس
اتجهت أبصارها نحو الشرفة لتعرف بتأخر الوقت من اختراق الشمس لأبعاد كبيرة من الغرفة فأردفت
يا وعدي ده أنا فعلا اتأخرت خالص كمان. أما أقوم...
استني عندك!
هتف يوقفها فورا حين همت برفع جذعها عن الفراش لينهيها بحزم لا يخلو من خوف
ده برضو الكلام اللي اتفقنا عليه امبارح يا ليلى مش قلنا مفيش حركة زي ما نبه الدكتور
تبسمت مستخفة في محاولة منها لطمأنته
يوووه يا معاذ يا حبيبي مش للدرجة دي يعني هو جال راحة مش الزق في السرير! لكن الحركة الخفيفة مسموح بيها...
صاح بها مترجيا هذه المرة
الله يرضى عنك حتى الخفيفة بلاها بلاها أي حاجة ممكن تكون سبب في... أحب على يدك يا شيخة أحب على يدك...
حتى غلبته مشاعره وسقطت دمعات منه تحرق بشرتها لتسارع بلف ذراعها حول عنقه تربت وتهون عليه
يا حبيبي أنا بخير جدامك مش مستاهلة الرعب ده كله.
رفع رأسه إليها والدموع عالقة ببشرته قائلا بطاقة مستنفذة
كل ده ومش مستاهلة! كيف يا ليلى! وإحنا كل حاجة بنخططلها ونعمل حسابها بتيجي معانا بالعكس!
الحمل جه غصب عننا رغم كل الاحتياطات وفي أهم وقت إحنا محتاجينه حتى ما نجحناش نأخره سنة ولا سنتين في الجامعة وتختم كمان بالخطورة عليكي وعلى الجنين!
لدرجادي أنا فاشل يا ليلى
جذبته إليها تهدهده بكفيها الناعمتين حتى إذا هدأ قليلا ليأتي دورها في الحديث
الانفجار ده كان واجب عليا أنا على فكرة مش إنت.
أنا اللي حاطة عهدي مع أمي سيف على رقبتي ومع ذلك أخفقت بدل المرة كذا مرة رغم حرصي زي ما بتقول...
توقفت تخرج تنهيدة من عمق ما يموج بصدرها تردف بغصة اختنقت في حلقها
اللي حصل مع أمي امبارح مكانش ينفع أسكت عليه.
يمكن زودتها وضريت نفسي وزودت الطين بلة لكن والله يا معاذ لا كل كلام الدكتور ولا كل اللي حصل بعد كده كنت حاسة بيه ولا فارق معايا.
مكنتش شايفة غير مزيونة مزيونة اللي مستعدة أعمل عشانها أضعاف كرامتها أهم عندي من نفسي.
وحلمها فيا هحججه ولو على سريري اللي نايمة عليه.
أنا أمي شافت كتير وجت على نفسها وجبلت تسعدني على حساب نفسها.
يبقى أقل ما فيها إني أرفع راسي حتى لو اتهزمت وأكمل المشوار لحد ما أوصل.
لم يعقب على ما تفوهت به وظل يتأملها بإعجاب وانبهار.
لقد اتضح له أن صغيرته الشرسة تحمل قوة أكثر منه.
لقد ورثت الصبر والجلد من مزيونة كما أن ما مرت به قد ساهم في نضجها سريعا وقبل الأوان.
إذن هل يصح له الضعف الآن مع واحدة تملك إرادة مثلها
مالك بتبصلي وساكت ليه
تبسم بمكر ردا لها ليرد على
هاتفها يقطع لحظته فخرج صوته بضيق
ده مين ده اللي بيرن عليكي دلوك
تناولت الهاتف من فوق الكمود بجوارها تجيبه بشر دي أبله إعتماد بتتصل على ميعاد الدرس
فابتعد عنها على الفور يردد بتوجس
يا ساتر يا رب... ربنا يجعل كلامنا خفيف عليها!
وكان الرد ضحكة عالية منها تعود بها إلى شقاوتها وطبيعتها المشاكسة.
...............................
ارتجفت تبتلع ريقها الذي جف سريعا عقب سماع ما تفوهت به خادمتها عن وجود الضيف الذي حضر ويريد مقابلتها الآن. تحاول أن تملك بأسها وتسيطر على خفقان قلبها الذي يكاد يقفز من صدرها خوفا.
ليه مبلغتنيش الأول تديني فكرة قبل ما تقوليله الهانم موجودة! هو أي حد يطلب يقابلني تدخليه كده بالساهل!
ردت العاملة باحترافية رغم غيظها من تلك الحمقاء
حضرتك أنا مش بدخل أي حد. أنا عارفة إن حمزة بيه والد ريان يعني لأنه كذا مرة يوصله أو يوقف بعربيته يستناه وهو خارج من هنا. على العموم لو مالكيش رغبة أنا مستعدة أخرج وأقول له الهانم مش فاضية.
صاحت بها توقفها محذرة
استني عندك! وإياك تعمليها.
ابتعلت تهدئ قليلا من توترها قبل أن تأمرها
روحي حضريله حاجة يشربها أنا هخرج حالا أقابله دلوقتي.
أمرك يا هانم.
خرجت العاملة تتركها تتخبط فزعا من القادم لتغمض عينيها قليلا تستدعي شجاعتها وتلتف نحو المرآة خلفها فيغمرها شيء من الثقة بهيئتها المتأنقة دون تعب أو جهد فقد كانت على وشك الخروج إلى شركة أبيها التي تعمل بها كمسؤولة هناك.
حسمت أمرها للمواجهة واضعة في رأسها أنه لن يؤذيها وهي داخل منزلها فكم كان كريما معها منذ الانفصال. قد يكون غاضبا مما حدث لكنها والدة ابنه في النهاية.
زفرت تستعد لمقابلته مغمغمة بغيظ ممن كانت السبب في إشعال النار
منك لله يا هالة...
............................
وجدته في انتظارها واقفا لم يكلف نفسه حتى بالجلوس. لم يأت بالجلباب هذه المرة بل أتى بالهيئة التي تعشقها يرتدي قميصا رماديا من تلك الماركة العالمية التي يفضلها وبنطالا أسود يليق ببشرته البرونزية. وسامة رجولية خشنة لطالما حسدتها عليه النساء.
مطرقا رأسه بسكون تام حتى وهي تقترب ويصله صوت حذائها يطرق على الأرض الرخامية. لم يرفع بصره إليها إلا حينما بادرت بالترحيب
ده إيه المفاجأة الجميلة دي نورت بيتي يا حمزة.
التقت عيناه بعينيها دون أن يرد بكلمة ينظر إليها فقط بغموض زاد من توجسها. فمدت كفها نحوه تصطنع الابتسام من أجل مصافحته فنظر إليها بازدراء دون رد حتى أصابها الحرج لترد بلوم
مرسي أوي لذوقك. على العموم أنا برضو مش هزعل منك. هتقعد كمان ولا هتفضل واقف
ظل على جموده ولم يرحمها سوى بعد لحظات ليخرج صوته أخيرا
يوم ما انفصلنا أنا وإنت وحلينا كل المشاكل اللي ما بينا بالتفاهم أو بالتساهل مني بمعنى أصح عشان حضرتك تكرمتي ووافقتي إن ابني يفضل معايا فاكرة أنا اتفقت معاكي على إيه يوميها
تمتمت بتشتت وريبة تكتنفها فالمقدمة لا تريحها على الإطلاق
مش فاكرة صراحة.
رد بابتسامة لم تصل إلى عينيه ملتزم الهدوء
أفكرك أنا. يوميها قولتلك بالحرف الواحد جوازنا صفحة وانجفلت واللي باجي ما بينا كل ود واحترام. وريان ابننا يعيش في بيئة سوية سواء إنتي اتجوزتي أو أنا اتجوزت مفيش تشويه لصورة التاني ولا نزرع الكره في قلبه لحد مننا. حصل ولا ما حصلش
قال الأخيرة بحدة جعلتها تردد دون تفكير
حصل.
ولما حصل خنتي العهد وجليتي بقيمتك ليه
اجفلت برده المباغت لكن سرعان ما استعادت توازنها تحاول امتصاص غضبه
أنا برضو قليت بقيمتي يا حمزة الله يسامحك. عارفة إنك غضبان وليك حق بس أنا والله ما كنت أقصد الأمر يكبر كده. هي الست دي وبنتها اللي قصدوا يورطوني الله يسامحهم.
عض على نواجذه بغضب شديد يحاول كبح رغبته في الانتقام لكنها للأسف امرأة وأم ابنه الوحيد.
الست اللي بتتكلمي عنيها دي واللي عايرتيها بنقص تعليمها عنك تفكري ألف مرة قبل ما تجيبي سيرتها جدامي أو في أي مكان حتي. لسانك الزفر لو هلفط بكلمة واحدة عنها تاني هتنالي العقاب اللي تستحقيه. حمزة القناوي جايلك النهاردة يعاملك بتربيته إنما تكرريها تاني هعاملك بتربيتك!
ردت بعدم فهم لمغزي كلماته الاخيرة
بتربيتي! ومالها تربيتي إن شاء الله والله إنت عارف كويس إني متربية على الأصول زيك بالظبط! إنت ابن ناس مأصلين وأنا ما أقلش عنك.
نفى برأسه موضحا دون مواربة
لا إنت شكلك مفهمتيش كويس بس أنا هفهمك لو هعاملك بتربيتك يبجى هعمل زي ما عملتي بالظبط أطلع كل الدفاتر اللي ماسكها عليكي وعلى السيد الوالد وأعملكم فضيحة تشهد عليها الجمهورية كلها وأدخلكم أنتوا الأتنين السجن!
تساءلت بذهول ورعب
إيه اللي بتقوله ده يا حمزة تدخلني أنا السجن
أجاب بابتسامة ساخرة
ما أنا بحذرك اها عشان ما تضطرنيش أعملها. نيجي بقى للي هيتنفذ دلوك المعاملة بتربيتي واخدة بالك
توقف لحظة ثم أضاف بأوامره
بيتي ولا بيت أهلي ولا أي حد من عيلتي... ممنوع تعتبي عتبة منهم تاني. وإن كان على ابنك ليكي رؤية مرة واحدة في الشهر هيوصلك لحد عندك وهيرجع في نفس اليوم. مش هيبات. وده اعتبريه كرم مني!
صرخت بجزع
يا نهار أبيض! إنت سامع نفسك! عايز تحرمني من ابني علشان غلطة بسيطة دي مجرد خناقة مابين ستات! بتحصل في كل الدنيا! ثم تعالى هنا... كرم إيه ده اللي بتتكلم عنه! إن جينا الحق الولد مفروض في حضانتي أنا يعني أقل محامي يخلصها في جلسة واحدة.
توحشت ملامحه بخطر ينبأها بطريق اللاعودة معه قائلا
جربي بس يا روان. أنا بتمنى بس إنك تجربي وشوفي ساعتها إن كانت عيلتك كلها ولا اسم أبوكي اللي فرحانة بيه ولا فلوسه حد فيهم هينفعك ولايسد جدامي!
بصق كلماته وشرع في الذهاب غير آبه بانهيارها المذري وقبل أن يصل إلى باب الخروج صرخت به
كل ده علشانها علشان الست الجاهلة بتاعتك!
التفت برأسه نحوها يجيب بتحذيره الأخير
وأعمل أكتر من كده كمان... حظك بجي إنك حرمة إنما لو راجل كنت عرفت أجيب حقها صح منك! مش بقولك إني كريم!
....................................
استغرقتا الاثنتان في الشرح والمراجعة حتى شعرت اعتماد نحوها بالإشفاق حين رأت الإجهاد الذي خيم على ملامحها الجميلة رغم صمتها وعدم الاعتراض أو الشكوى. فتناولت هاتفها لترى الوقت وهي تحدثها
كنت ناوية أقرص عليكي النهارده بس شكلي هأجل وأخليها المرة الجاية أنا برضو عندي جلب وشوية إحساس.
تبسمت ليلى ترد على مزحتها
متجوليش كده يا أبلة اعتماد ده انتي أم الإحساس والذوق.
لم تعلق اعتماد وقد تغيرت ملامحها وتعقدت بانشغالها في قراءة إحدى الرسائل التي لم تكتشفها إلا الآن وكانت قد وردت أثناء انغماسها في الحصة. تمتمت شفتيها بسبة قبل أن تضغط على الأزرار الثقيلة للهاتف القديم الوحيد الذي تملكه الآن طالبة رقم صاحبة الرسالة بقلق الأمر الذي دفع ليلى للتساؤل
خير يا أبلة اعتماد في حاجة
اهتز رأسها بتوتر نافية وهي في انتظار الإجابة من الطرف الآخر
خير خير... إن شاء الله خير.
وانتفضت تنهض من جوارها تحاول السيطرة بصعوبة على اهتزاز جسدها الذي
اندفعت به سخونة الانفعال والترقب. وما إن جاءها رد من الجهة الأخرى حتى هتفت بعصبية
أيوه يا زفتة توك ما رديتي............... كنت مشغولة في الحصة وكاتمة التليفون الزفت... معاناتها إيه الرسالة اللي بعتاها دي............
وما إن وصلها رد الطرف الآخر حتى ضربت بكفها على جانب فمها من فرط غضبها تصيح بها
يا نهارك اسود ومهبب بستين نيلة يا روضة! واخدك على الجمعية عشان تعملي الإجراءات وليكي عين تكليميني كمان..........
غصب عنككيف يعني مشربك حاجة صفرا ولا مفكيش لسان تجولي لأ
ضاغط عليكي وإنتي مش جادرة عليه.........طب عطلي نفسك على كد ما تجدري أنا جيالك دلوك على الجمعية الزفت... اجفلي يا بت ولا أجولك خليكي معايا على التليفون لحد ما أوصلك إياك تجفلي!....
تحركت تلملم أشياءها على عجل وتوجهت بالخطاب إلى ليلى
أنا همشي دلوك وابجى أتصل عليكي بعدين وأبلغك بميعاد الدرس التاني... بس إنتي اهتمي باللي خدناه النهاردة.
أومأت لها ليلى تهز رأسها بطاعة قائلة بقلق انتقل إليها
ماشي حاضر... بس إنتي جولي لو محتاجة مساعدة أبلغ معاذ ياجي معاكي
ردت اعتماد بصوت يتخلله الأسى وهي تغلق حقيبتها لتهم بالذهاب
المساعد ربنا... متشغليش نفسك إنتي ولا تبلغي حد إن شاء الله محلولة. عن إذنك.
تبعتها أبصار ليلى بحزن لا تدري لم شعرت بتشابه بين تلك المرأة ووالدتها رغم الفروق الشاسعة بين الشخصيتين. ربما وجه التشابه كان في الكفاح وربما في الحظ السيئ الذي يتبعهما كظل لا يرحم.
...
بخطوات تقارب الركض كانت تهرول هابطة الدرج تحاول اللحاق ومنع الكارثة قبل حدوثها واضعة الهاتف على أذنها لتصلها كل همسة من الجهة الأخرى. قدرها السيئ الذي تمثل في شقيقة كانت وستظل نقطة ضعفها الوحيدة رغم تحليها بالقوة واستغنائها عن الجميع شقيقتها ضعيفة الشخصية لا تجد لها حلا أبدا.
وفي غمرة انشغالها وركضها لم تنتبه لذلك الذي كان يصعد الدرج عكس اتجاهها حتى إذا وصلا إلى نقطة التقاطع بين الطابقين وقع الاصطدام المتوقع وكانت الضحية هاتفها القديم. حينها سقط من يدها على درجتي السلم القاسيتين متحطما تماما متناثرة أجزاؤه إلى قطع مجهولة الهوية.
نظر إليها خليفة بذهول تام قبل أن يرفع بصره إليها فتلتقي عيناه بكتلة من النار التي يتكرر معها نفس الموقف. نظرت بحسرة إلى هاتفها الذي أنقذها رغم قدمه بعد خسارة الآخر وقد تهشم بصورة لا تنبئ بإمكانية إصلاحه ثم نظرت إليه بصدمة امتزجت بمشاعر هوجاء مقدمة طبيعية للعواصف والأعاصير القادمة فهو المتسبب في خراب الاثنين لها الآن ليخرج صوتها أخيرا بتقطع بداية لما هو آت
إنت... إنت...
أنا إيه يا بنت الناس أنا إيه دخلي بس
تمتم مقاطعا لها ليضرب كفا بالأخرى مرددا
لا حول ولا قوة إلا بالله... طب أعمل إيه معاكي دلوك جوليلي... المرة اللي فاتت رفضتي العوض بدل اللي راح منك المرة دي بجى اعتذار في الجريدة الرسمية يمكن تعفي عني
لم تكن تملك رفاهية الرد بطبيعتها فما ينتظرها غير قابل للتهاون أو المغامرة بالصعود إلى ليلى وإضاعة المزيد من الوقت أو حتى عنجهيتها الزائفة في رفض المساعدة من أحد. فباغتته بقولها
إديني تليفونك.
ارتد برأسه إلى الخلف يعقب بدهشة
تليفوني! كده على طول
أمال يعني بعد ساعة بسرعة هاتو يلا.
أخرج خليفة على الفور هاتفه يعطيها إياه بتوجس. فاختطفته بسرعة تتصل على أحد الأرقام ذاهبة بسرعة مما اضطره لاتباعها
استني! يا اسمك إيه إنت يا آنسة كانك ولا مدام يا أخت!
كانت قد وصلت إلى خارج المنزل عيناها تبحث يمينا ويسارا بعدم تركيز فأجابته
أنا عايزة حد يجيلي تاكسي بسرعة... متعرفش حد يجيبلي تاكسي عاوزاه مشوار بأقصى سرعة.
رد عليها بسخرية
وهتاخدي التليفون معاكي
ياسيدي هديهولك بس أوصل مشواري.
رغم فزعه من صرختها إلا أنه تفهم فقد استوعب أن خلف ثورتها أمر جلل فتحرك نحو سيارته يشعلها بالمفتاح
تعالي معايا وأنا أوصلك في عربيتي.
طالعته بنظرة حادة فهم ليسارع بالتوضيح
اطمني... هوصلك بس عشان آخد تليفوني. تمام كده
....................
كان يجب أن تكون بجوار صغيرتها اليوم تلقي بكلام البشر خلف ظهرها وإن لم تملك الجرأة لتذهب برفقة شقيقها كما قال لها. لكنها لم تستطع فعندما تجد القدرة على الوقوف في وجه الشائعات والمؤامرات يمكن أن تفعل. ولأنها الآن لا تقوى على شيء يكفيها أن تراها عبر شاشة الهاتف وتحدثها باستفاضة.
قضت مع ابنتها ليلى قرابة الساعة ولم يقطع وصلهما سوى دخول مدرستها إعتماد لتنهي معها المكالمة أخيرا وتعود إلى وحدتها رغم وجود شقيقها وزوجة شقيقها التي لم تتركها حتى الآن.
لكن الوحشة تسكن قلبها حتى في وجود البشر.
غلبها التعب الجسدي والنفسي فقررت الهروب منه بالنوم وكادت أن تنجح لولا ذلك الطرق القوي على باب منزلها بصورة أزعجتها حتى نهضت عن فراشها لرؤية هذا الطارق المزعج.
كانت قد سبقتها محروسة زوجة شقيقها ليصل إليها الجدال فتعرف هوية من يقف خارج المنزل
مفيش حد موجود يا أبو ناصر يعني ما ينفعش ندخلك من أصله.
وأنا مش عايز أدخل أنا عايز بس أشوفها... خليها تطلعلي.
تطلعلك فين يا أبو ناصر بجولك الولية تعبانة.
ليه وأنا هاخدها مشوار دا هما خطوتين لحد العتبة ما هتجدرش تعتبهم ليه اتشلت
بعد الشر عليها الفال سعد.
أوقفتها مزيونة تسحبها للداخل وتحل هي محلها قبل أن يزيد عليها بفظاظته التي تعرفها جيدا
نعم يا عرفان أديني بطولي واقفة جدامك عايز إيه
تأملها برهة يجفلها بإجابته وقد بدا من هيئته أنه ليس على طبيعته
عايزك.
نعم
رد على استفسارها بتهكم
بجولك عايزك لازم أشرحها بالتفصيل عشان تفهمي
إلى هنا وقد فاض بها من وقاحته لتقرر بحسم إنهاء المقابلة
تصدق إني غلطانة إني عبرتك أصلا ارجع مطرح ما كنت... بلا جلة حياء!
كادت أن تغلق الباب في وجهه لكنه منعه بكفه الضخمة يردد بفحيح
جلة حياء تبجى لمين للراجل اللي عايز يلم لحمه ويرجعك لزمته ست بيتك ولا للنطع اللي داير يلف حواليكي وآخر المتمة خلى سيرتك على كل لسان
صاحت به بعدم إحتمال وهي تجاهد لإغلاق الباب
في وجهه
معاش ولا كان اللي يستجرأ يجيب سيرتي! بعد من بيتي لا أصرخ وأقول بووو! ألم عليك الناس.
تبسم يثير اشمئزازها
وتجيبي فضايح على فضايحك
على العموم أنا برضو أشرفلك من النطع دوكها على الأقل أنا أبو بتك.
جطع لسانك يا عرفان!
صرخت به بقهر غلبها حتى تفاجأت به يسحب أو يختطف بمعني أصح من أمامها وصوت تعرفه جيدا يهدر
هو البعيد ما عندوش كرامة للمرة التانية برضو جاي تتهجم على اتنين نسوان!
وفي أقل من ثوان تفاجأت بالجسد الضخم يسقط كالجثة أمامها بعد تلقيه عدة ضربات نافذة.
نظرت مزيونة إلى ذلك الجسد الذي تكوم أمامها كالخرقة البالية تردد بعد استيعاب
عملتها إزاي كيف قدرت عليه بالسهولة دي
تبسم يجيبها بمرح يكتنفه امتنان غير عادي نحو عرفان الذي أعطاه الفرصة لرؤية وجه القمر... وجهها
ما خدش في إيدي غلوة... دا شارب أصلا غير إني عملتها جبل كده وكان فايق... لو تفتكري يعني
أومأت بحرج وقدماها تعودان إلى الداخل.
أردف يسألها قبل أن تختفي من أمامه
وعيناه تتشرب تفاصيلها
وانتي... عاملة إيه النهاردة
أومأت بصوت بالكاد يخرج
زينة والحمد لله. عن إذنك.
دلفت تغلق الباب عليها لكنه لم يتحرك فصدح صوته من الخارج يجبرها على الابتسام من خلف الباب
طب أتصل بمين ياجي يشيل الجثة
... يتبع
هلاقي تقدير للتعب والسهر مش عايزين نقل على الفصل اللي فات
الفصل التاسع والعشرون
منذ أن قررت أن أحبك وأن تكوني لي أقسمت أن أكون الدرع لا السهم
أن أكون لك السند لا الحمل
أن أكون الرجل الذي إن اختل بك العالم ظل ثابتا لا يميل.
أقسمت أن تكوني أنت وحدك البداية والنهاية.
لن تمسك يد سواي ولن يطال حزن طرف ثوبك ما حييت.
سأكون لك درعا إن اشتد الزمان وسندا إن خذلتك الحياة
وسقفا فوق قلبك إذا ما اهتزت الأرض تحتك.
سامحيني إن جرحتك الآن
لكني أقسو اليوم كي لا يقسو عليك الدهر غدا.
أجرحك الآن حتى يكون الغد خاليا من كل وجع
أوقظك بالألم لأحميك من جرح لا شفاء له إن تأخرت.
لن أتركك لنفسك
ولن أتركك لغيري.
أنا من سيحمل عنك أعباءك ويقتسم معك مخاوفك
أنا من سيقف بينك وبين كل ما يؤلمك.
ستكونين لي كما لم يكن لي أحد قط
وسأكون لك كما لا يليق بك سواي.
من الآن لن تواجهي شيئا بمفردك.
أنا هنا وسأبقى دائما
الخاطرة الروعة والمراجعة من الرائعةسنا الفردوس
.........................
الفصل التاسع والعشرون
توقف بالسيارة أمام مقر الجمعية التي اشتهرت في البلدة بوظيفتها المعروفة إقراض الناس مقابل فوائد مضاعفة تسدد أقساطا على مدار شهور. يلجأ إليها المضطر أو المديون فهي في ظاهرها جمعية لستر الناس وفي باطنها خراب بيوت تمتص دماء الفقراء بمصيدة تسمى قروض التيسير وهي في حقيقتها باب من أبواب الربا.
والربا محرم شرعا ومن يقدم عليه فلينتظر حربا من الله ورسوله كما جاء في قوله تعالى
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين 278 فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ۖ وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ۖ لا تظلمون ولا تظلمون
البقرة 278279
فما الذي يدفع زوج شقيتها إلي طرق هذا الباب.
تساءل داخله وهو يراها تترجل من أمامه مهرولة إلى مدخل الجمعية دون سلام أو استئذان وهاتفه على أذنها تتابع الحديث مع شقيقتها.
اللهم طولك يا روح
تمتم بسخط وهو يترجل خلفها يغلق سيارته ثم يتبعها إلى داخل ذلك المقر.
أما هي وحين ولجت إلى الداخل كانت عيناها تدور باحثة في الأجواء حولها أثناء الحديث عبر الهاتف حتى اصطدمت أبصارها بصاحب الجسد النحيف زوج شقيقتها بهيئته المنزعجة يتجول بعصبية في الطرقة الفاصلة بين الغرف وفمه لا يكف عن التدخين بشراهة تجعل السحب الدخانية تلازمه كظله.
تراجعت خطوتين قبل أن ينتبه لها لتصدر أمرها نحو الطرف الآخر معها في الحديث
أنا وصلت أهو ودخلت اطلعي يلا من الحمام اللي متخبية فيه... اطلعي يا بت وسيبي الباجي عليا أخلصي.
كادت أن تنهي المكالمة حتى انتبهت إلى المذكور يقف أمامها متحفزا
مين هي اللي تطلعلك يا غالية وانتي جاية هنا أصلا ليه
تصنعت الدهشة وبحركة روتينية اعتادت عليها وضعت الهاتف في الحقيبة لتعطي انتباهها إليه كاملا وهي تستقبله
وه محمود جوز أختي إزيك يا راجل مش تسلم الأول
تطلع إليها بملامح كارهة وقد استنتج سريعا سبب الاختفاء المريب لزوجته داخل مرحاض الجمعية منذ أكثر من نصف ساعة.
اعتماد تماثله في العمر تماما واحد وثلاثون عاما لكنها تملك شخصية قوية تناطح من أمامها بندية بل ولا تخشى حتى غرز أظافرها في وجه من يتجرأ عليها بالكلمة على عكسه هو الذي يخاف حتى من أخيه الصغير ووالدته وقد وجد ضالته في امرأة ضعيفة الشخصية يوجهها كيفما يريد ويحصل منها على قدر ما يستطيع ولكن أحيانا لايقدر بسبب تلك اللعينة التي تقف له دائما بالمرصاد.
هي اللي اتصلت بيكي ولا إنتي اللي اتصلتي بيها وعرفتي منها
سخرت بابتسامة صغيرة بزغت بطرف ثغرها
في الحالتين إيه الفرق
إيه الفرق!
ردد بها من خلفها بنبرة غامضة تبدلت فجأة حين أتت زوجته بعد خروجها من المرحاض ليباغتها بالقبض على ساعدها بشراسة لا يعرفها إلا معها
بقالك ساعة مدسية في الحمام بحجة إن بطنك وجعاكي واتاريكي عاملاها حيلة عشان تستني المحروسة. طب حركي رجلك يلا البت الموظفة بقالها ساعة مستنية على إمضتك!
إمضة مين
تمضي على إيه بالظبط أختي مش هتمضي على ضمانات ولا كلام فاضي. عايز تسحب قرض ربا شوفلك حد غيرها يكون ضامن. دا لو محتاجه فعلا
وإنتي إيه اللي يخصك واحد ومرته إيه دخلك بعدي من وشي الله يرضى عنك مش ناجصة هي وقف حال.
تعالي يا بت إنتي هنا بالذوق أحسنلك.
لم يصدر من روضة أي رد فعل سوى أنها ازدادت التصاقا بشقيقتها باعتراض لا تقوى على التعبير عنه إلا في وجودها.
اهتاج غضبا أمام صلف الأولى واحتماء الأخرى بها ونظرات الخلق التي توقفت تتابعهم ليزيد على اهتزاز شخصيته الضعيفة من الأساس فارتفعت كفه بصورة توحي بنيته على ضربها
طب والله لو ما بعدتي عنها لأكون ضاربها هنا جدام الناس وخلي حد يقدر يحوش عنها.
تحفزت اعتماد في استعداد للدفاع عنها حتى لو اضطرت لفتح رأسه أو الدخول معه في عركة مباشرة ولكن يدا من المجهول قبضت على رسغه بقوة وصاحبها الذي تذكرت أخيرا قدومه لتوصيلها ضغط بجسده على محمود ليبعده عن النساء ثم خرج صوته تهديدا ووعيدا
جرب تنزل بيدك على واحدة منهم يا عديم النخوة وأنا أفرجك زين جزاة عملك.
كان حادا بصورة أدخلت الرعب في قلب ذلك الذي بوغت بحضوره فابتلع يقاوم مبررا
ابعد يا جدع إنت دا أمر عائلي ملكش دعوة بيه إنت مين أصلا
أنا خليفة ولد حماد القناوي سمعت عن الاسم ولا أعرفك أنا
يبدو أن الاسم كان له وقع السحر شحب وجه محمود حد الاصفرار لترتخي يداه باستسلام مرددا بشكوى
وأنا مالي بيك يعني البت دي هي السبب. واحد ومرته هي إيه دخلها
برز صوتها من بين الجمع الذي التف حولهم
دخلها إني أخت اللي عايز تستغلها وتورطها ضامن ليك! عيلتك مليانة رجالة وحريم خد أي واحد فيهم لكن إنت مصر على أختي ليه مش لاقي حد يوثق فيك ولا عشان عارف إن موضوعك تافه وميجيبش تمنه ولا هو مشروع ولا كلام فاضي.
كاد محمود أن يعود للشجار معها ولكن منعه صوت إحدى عاملات الجمعية من النساء تصرخ
إيه اللمة دي لو سمحتوا هنا مش محل خناق ولا مشاكل. أرجوكم اخرجوا برا.
ها هو للمرة الثانية يتعرض لنفس الإهانة وأمامها من ذلك المتعجرف الذي التقط فرصة غياب عقله بفضل الكأسين اللذين شربهما قبل أن يذهب إليها. الملعون يجيد استغلال الأوقات التي يضرب فيها ليرفع من أسهمه أمامها على حسابه فينال هو الخزي أمامها وأمام عائلته والجميع ثم ينتهي به الأمر أن يصبح ضحية التقريع من مصيبة حياته زوجته الحالية وقد أتت فرصتها هي الأخرى
يا خيبتك القوية يا صفا يا سواد وشك جدام ناسك والجيران والعيلة أوريهم وشي إزاي دلوك بس بعد ما شافوك للمرة التانية داخل مسنود على الدراعات ومضروب من نفس الراجل على عتبتها يا مرك
يا مرك.
صاح ينهرها من مكانه على الأريكة المستلقي عليها داخل شقة مزيونة
اتلمي يا بت بدل ما أجوملك أنا على آخري أصلا.
صدر من فمها صوت ساخر غير آبهة
طبعا يا حبيبي لازم تبجى على آخرك للمرة التانية بتلبس الخازوق والكسفة من غير مجهود من حد! إنت اللي بتروح برجليك وإنت اللي بتضرب وتاجي مسنود وواخد الشتيمة من أقل عيل فيكي يا عيلة.
يا بت ال
تمتم بها معتدلا عن رقاده حتى تألم رأسه فتأوه بتوجع يضع كفه عليها مردفا بتعب
الله يلعنك يا ملعونة لا عندك إحساس ولا عندك نظر. مش قادرة تستني علي ما أقوم وساعتها اشمتي براحتك.
تخصرت صفا تردف بغليل يحرقها
لا ماعنديش يا عرفان والبركة فيك! إنت اللي موت قلبي وشلت الإحساس عني بعمايلك. يا أخي دا أنا لو جبل برضو هتأثر وهضر وممكن أقع من طولي بسببك! ماسك في اللي رمياك ومدياك بالجزمة وأنا اللي متحملة قرفك وبلاويك الزرقا مش عجباك طب تصدق بالله أنا نفسي ما بجيتش طايقاك!
اهه فايتهالك وماشية.
في ستين داهية يلا غوري!
هتف بها من خلفها بغيظ يحرقه. هذه الإهانة لا بد لها من رد موجع. لا بد من إنهاء هذا العبث على الفور ودون انتظار.
تحامل على ألمه لينهض عن أريكته متخذا طريقه نحو الجهة المقصودة وقد حسم أمره.
أنا جيت يا خالة مزيونة ممكن أدخل
دلف إليها هذا الصغير بعد أن طرق على الباب طرقتين على الخشب المثقل يطل عليها بوجهه الوسيم الذي يشبه أباه في مكره ينتشلها من الشرود الذي يلف عقلها دون هوادة حتى إنه أذهب عنها التركيز في الكتاب الذي تمسك به منذ ساعة ولا تفهم منه شيئا.
ادخل يا خالة مزيونة
للمرة الثانية يستأذنها بابتسامته المتلاعبة التي تدخل البهجة في قلبها دون استئذان فكيف لها أن ترفض
ادخل يا بطل بالذمة يعني إنت محتاج تستأذن
دلف يلقي التحية على زوجة شقيقها التي تطوي كومة الملابس التي جفت بعد غسلها متصنعا الخجل أمام المرأة حتى أدخل التسلية بقلبها هي الأخرى
العوافي عليكم.
ألقت بنظرة ذات مغزى نحو مزيونة وهي ترد على تحيته ضاحكة
الله يعافيك يا حلو إنت. ادخل يا جميل هو إنت غريب
لوح بكفه فوق صدره يزيد من إبهارها قبل أن يتخذ جلسته جوار مزيونة على الأريكة الخشبية التي تجلس عليها
تشكري يا خالتي ربنا يخليكي.
للمرة الثانية تطلعت محروسة نحو مزيونة ضاحكة تردد خلف هذا الصغير بمرح يكتنفها
يا حبيبي دا إنت اللي ربنا يخليك ويبارك فيك لأبوك يا عسل! صحيح التعليم الغالي يا ولاد بيعمل فرق.
حدجتها مزيونة بنظرة محذرة حتى تنتبه ولا تتمادى معه فهي الأعلم بحجم الذكاء الذي ورثه عن والده... اللعنة لماذا لا يترك رأسها ولو قليلا
جولي يا ريان باشا عامل إيه بجى في مدرستك
وجهت السؤال إليه حتى تندمج معه هو لا أحد آخر ولكن الطفل الداهية أبى أن يعطيها غرضها
شاطر جوي واسألي المدرسين كمان! أبويا وصلني النهاردة واتطمن بنفسه حضر جلسة الآباء وميس تولين فضلت تحكيله عن شطارتي ودرجاتي العالية في المادة بتاعتها وهو فرح وقالي جدامها أنا فخور بيك يا ريان.
تركت كل الحديث وعلقت على ملحوظة واحدة عبرت عنها
ميس إيه تولين! ودي شكلها حلو زي اسمها كده ولا إيه ظروفها
بحماس أثار انزعاجها هتف ريان يخبرها
باه ميس تولين دي أحلى واحدة في المدرسة كلها وأنا أكتر واحد بتحبني من المدرسة كلها.
بتحبك ولا بتحب أبوك
تمتمت بها لتستدرك سريعا تنفض رأسها من تلك الأفكار الحمقاء لتردف بنزق
ريان يا حبيبي إنت بتحب الحلو اللي بنعلمه صح محروسة هاتي طبق بلح الشام اللي في التلاجة للباشا.
سمع منها ليهلل فرحا بعفويته التي تعشقها حتى أتت له محروسة بالطبق يتناول منه القطع فيتذوق باستمتاع حتى فتح شهيتها لمشاركته بتناول الحلو معه ورغم ذلك رأسها لا يهدأ عن التساؤل
يا ترى شكلها إيه تولين دي
...............................
مرتفعات وحجارة تحك في إطار السيارة فتصدر أصواتا مزعجة وهي تخترق تلك الطرق التي يسير فيها لأول مرة رغم أنهم في نفس البلدة.
وذلك كي يوصل تلك المدعوة اعتماد وشقيقتها بعد شجار حاد بينهما وبين زوج الثانية انتهى بطردهم جميعا من الجمعية حتى كاد الآخر أن يتسبب لهم في فضيحة ثانية على قارعة الطريق لولا وقوفه هو بوجهه وصرفه ثم في الأخير اضطر أن يقلهم معه بعد أن تركهم وذهب كالجبان.
بس خلاص وجف هنا. هتفت بها اعتماد فالتفت إليها متسائلا بيتكم هنا كادت أن تجيبه بنعم كاذبة ولكن شقيقتها روضة سبقتها لا مش هنا بيتنا تحت شوية في الروض مصلح يطلق على الأرض المنخفضة في البلدة. وه. صدرت منه بعفوية لا يقصدها ندم بعدها حين شعر بحرجهما فتابع موضحا أنا قصدي يعني.... قاطعته اعتماد لتقصر عليه وترفع عنه الحرج مش محتاج تبرر عشان كده أنا بقولك وجف النزلة بالعربية صعبة. رمقها بنظرة خاطفة عبر المرآة ورد برفض بسيطة إن شاء الله بلدنا فيها طرق أوعر من كده والسواق الصح ما يهمهوش.
قالها متخذا قراره في القيادة بحرص أثناء النزول في ذلك المنخفض حتى يوصلهما إلى منزلهما الأمر الذي دفعها ولأول مرة أن تعبر عن امتنانها إلى رجل وذلك لصنيعه الكريم معهما أنا كنت عايزة أشكرك اللي عملته معانا النهاردة بصراحة الكل يشهد له.
تطلع إليها عبر المرآة بعدم تصديق حتى أخجلها فسارعت بالتوضيح أنا مش جلفة لدرجة إني أهدر حق اللي يتجمل معايا أنا برضو واعية وأعرف أميز. تبسم يزيد من خجلها الذي غطت عليه بجمودها المصطنع ليرد بتسلية تخللت نبرته مفيش منها شك دي يا أبلة اعتماد مربية أجيال زيك هي أم الذوق والاحترام.
اكتفت بالغيظ من طريقته شاعرة بشيء من السخرية لا تقبله ولكنه لم يخطئ حتى ترد. زفرت داخليا بارتياح نسبي مع انتهاء الطريق الصعب بالسيارة ليظهر أمامها المنزل
خلاااص حلوة جوي كده إحنا وصلنا. أشار بذقنه إلى الأمام نحو أحد البيوت المبنية حديثا بالطوب الأحمر دون دهان موجها السؤال هو ده البيت ردت تلملم أشياءها أيوة هو ده البيت تشكر جوي.
سمع منها فتوقف بالسيارة ينتظر ترجلهم ليفاجأ بدعوتها اتفضل حضرتك تنزل معانا البيت إحنا صحيح تلت ولايا بس ده ما يأثرش طبعا مع ناس زينا إحنا ولاد ناس وبنعرف الواجب.
للمرة الثانية يستفزها بابتسامته التي تظهر وبكل وضوح لدهشته بالوجه الثاني لها في المعاملة الطبيعية مع الأفراد دون مشاكل حتى ودت الرجوع عن طلبها والشجار معه كي تستريح لولا قوله أكيد طبعا ولاد أصول واجبكم وصل يا أبلة اعتماد اعتبريني دخلت وشربت الشاي كمان عن إذنكم بجى.
وتحرك بالسيارة ليصعد المنخفض حتى يصل إلى الأرض المستوية كي يعود إلى منزله ولكن فور أن انتهى من الصعود واطمأن بخروج السيارة بخير دون إصابات تلحق بها كاد أن يفرح بالإنجاز حتى تذكر هاتفه فضرب بكفه على عجلة القيادة مرددا
بوو يا شجاوتك يا خليفة هرجع تاني كيف في المرار
الطافح ده
....................
في منزل والديها وداخل تلك الغرفة التي تحبس نفسها بها هربا من والدها وتحقيقاته المستمرة بعدد من الأسئلة التي لا يمل من توجيهها إليها كانت متربعة الآن على سريرها تلتزم الصمت المطبق وصوته في خارج الغرفة يصدح حتى يصل إليها ووالدتها ترواغه وتماطله كي تمتص غضبه
البت دي ساكتة ما بتتكلمش ليه جاعدة من امبارح وجوزها ما سألش ولا حتى عتب وراها يمسي علينا أجطع دراعي إن ما كانت عاملة نصيبة دي لا حسنية ولا أي واحدة من بنتتها سألت البت دي مهببة إيه بالضبط
يعني هتكون عاملة إيه بس يا أبو العيال هي هالة صغيرة ولا لسه متجوزة امبارح ده تلاجيهم بس شوية زعل صغيرين بينها وبين جوزها وفي الآخر برضو هيتصالحوا ده خليفة مفيش أعقل منه.
أيوة يا أختي مفيش أعقل منه بس بتك مفيش أجن منها أنا أبوها وعارفها زين شوفيها مهببة إيه يا يامنة يمكن نعرف نلم ولا نصلح يا إما أسحبها من يدها وأروحها على بيت جوزها تعتذر من غير ما أعرف إيه اللي حصل. ما عنديش بنتة يزمقوا ولا يبيتوا بعيد بيوتهم فاهمة
بقبضتيها الاثنتين صارت تضرب على ركبتيها بحنق شديد وقهر تشعر به بسبب هذا الرجل والدها. تعرفه جيدا لا يرمي كلاما في الهواء سوف ينفذ ولن يوقفه أحد. لن يراعي كرامتها أو يستمع إليها ويتفهم إن حدث وتكلمت. ولكن إن تحدثت بالفعل ماذا ستقول
لعنت داخلها خليفة وغدره بها ذلك البحر الساكن دائما يغري الفرد بصمته فلا أحد يعلم متى تفور أمواجه لتقلب كل ما بداخله رأسا على عقب.
انتفضت تنتبه فجأة على دوي صوت الهاتف بمكالمة واردة. تطلعت في الشاشة فازداد سخطها لتغلق على صاحبة الاتصال دون انتظار متمتمة
قبر ياخدك يا روان ما تحلي بقى عني ناجصاكي أنا ولا ناجصة مياصتك أوووف.
زفرت تمسح على شعرها ووجهها لتعود لصمتها والترقب مرة أخرى حتى يغادر والدها إلى عمله أو الحقل أو حتى النوم حتي تتنفس بعدها جيدا ثم تفكر في حل يساعدها...
......................
لا تغادر سريرها إلا بحرص شديد تلتزم بتنفيذ التوصيات وتعليمات الطبيب والخوف مع كل حركة يعصف بها إضافة إلى قلقها الشديد وامتحان السنة النهائية لم يتبق عليه سوى شهور قليلة لا تعلم إن كانت ستذهب على أقدامها أم تبحث عن طريقة أخرى إن استمرت حالتها والجنين دون استقرار.
تنهدت تريح عقلها قليلا من الهموم وعيناها تراقبان الأطفال من شرفة غرفتها وقد سمح لها معاذ بصعوبة أن تجلس بها ولو لنصف ساعة حتى يدخل صدرها بعض الهواء الطبيعي وعقلها يدور ويدور في عدة أشياء أخرى
يا ما شاء الله ع القمر اللي نور البلكونة. هتفت بها منى وهي تدلف إليها لتقابلها ليلى بابتسامة عذبة وكأنها ابنتها وليست شقيقة زوجها
عاملة إيه يا بت حلوة تبسمت ليلى تعقب على غزلها بحبك جوي لما تدلعيني خير والحمد لله. جلست منى تتناول من طبق الفاكهة الذي كان على الطاولة المجاورة ياختي اتجلعي على كيفك وكلي على كيفك هو في أحلى من الاتنين الا جوزك فين
هيجابل واحد من مسؤولين الشركة يمكن يقبل يتفاهم معاه على موضوع الإجازات مع إني والله عايزاه يسافر أنا زينة وأعرف أراعي نفسي.
ضحكت منى تعقيبا علي كلامها تراعي فين اتنيلي خليه يترزع على ما يخلص حملك الجملي ده وبعدها يشوف حل في شركة الفقر دي مع إني أشك صراحة.
ختمت تضحك بمرح فجعلت ليلى تشاركها حتى توقفت فجأة يعلو ملامحها الاضطراب
مالك يا بت في حاجة مضايجاكي ولا حد مزعلك ردا على السؤال نفت ليلى بهزة من رأسها لا بس حاسة نفسي مش مطمنة أصلي من شوية كنت بتكلم مع أمي إن خالي وصفي طالبها تروح على بيته عشان أبويا عامل جلسة وجايب معاه الشيخ خميس والرجالة اللي معاه.
غمغمت منى بقلق انتقل إليها هي الأخرى عرفان وجلسة! ربنا يستر.
.....................
جلسة أخرى وفي نفس المنزل الذي تم فيه عدة قرارات مصيرية أثناء زواجه بها أو بعد ها هو الآن يتخذ محله بجلسة جوار الشيخ خميس وعدد من الرجال من أصدقاء والدها الذين كانوا حاضرين كل الجلسات السابقة. جلست برفقة شقيقها على مضض تقديرا لهم ولمكانتهم عند أبيها الراحل فتحدثت موجهة السؤال لكبيرهم بتجاهل تام له وكأنها لا تراه رغم غضبها الشديد من أنظاره المنصبة عليها بوقاحة مزعجة
اتفضل يا شيخنا أنا جيت وجعدت أهو إيه المطلوب مني بجى
تحمحم الرجل الوقور يلطف لها رغم صعوبة الأمر عليه هو أيضا هنعوز منك إيه بس يا ست البنتة غير كل خير إن شاء الله ربنا العالم يا بنيتي إحنا ما في نيتنا إلا كل خير.
كزت على أسنانها بضيق متعاظم تردد خلفه باعتراض صلح إيه تاني يا عم الشيخ هي الغنيوة دي مش فضت برضو وبوخت ولا صاحبكم ده مبلغكمش بالنصيبة اللي عملها تاني ونال جزاته منها قبل ما يجمعكم ويقعد جصادكم بعين قوية
على صمته التام وكأن الأمر لا يعنيه تاركا الأمر للشيخ الذي كانت تخرج منه الكلمات بضيق هو الآخر عارفين يا بنيتي وهو جمعنا إحنا مخصوص عشان كده قبل كل شيء هو جاي يعتذرلك.
يعتذرلي! تمتمت موجهة إليه نظرة نارية ببرود تام قائلا أيوة يا مزيونة أنا جاي ومجمع الرجالة عشان أعتذرلك جدامهم ولو عايزاني أبوس على راسك كمان أجوم وا...
اقعد مكانك لا عايزين منك بوس راس ولا بوس كفوف انتي بس تحل عنينا وما نشوفش خلقتك هو ده بس اللي عايزينه.
صاح بها وصفي بغضب عاصف يوقفه عن التحرك في رد فعل غير متوقع لعرفان ليتابع وكأنه قد تكفل اليوم بالرد عنها
عاملي فيها محترم دلوك وبتوقر الكبير وانت رايح تتهجم على البت في بيتها وانت سكران وكأن ما ليها ناس يدافعوا عنها ده جليل عليك الضرب انت كان حقك طلجة واحدة بس من الفرد بتاعي ولا ليك عندي دية عشان راكبك العار حتى ناسك اتبروا منك.
أجفل وصفي وقد باغته بالكلمات القاسية متسببا له في حرج لم يحسب له حساب أمام الرجال الذين بدا عليهم تأييده رغم صمتهم لينزع عنه لباس الأدب والاحترام كاشفا عن وجهه الحقيقي.
باه باه يا وصفي عينك جويت وجاي تحط عليا طب أنا يا سيدي غلطان ومش هنكر روحت على بيتها وأنا شارب ومتعصب بعد الكلام اللي وصلني جيب أي حد مكاني يسمع الإشاعات اللي دايرة عليها هي والنسيب المحترم حمزة القناوي ويجبلها على كرامته ويجعد ساكت.
صرخت هي به بقهر جطع لسانك يا عرفان وأي حد يجيب سيرتي بكلمة بطالة.
توترت الأجواء وحاول الرجال التهدئة بين الطرفين ولكن الحرب بين وصفي وعرفان من كانت على أشدها
يعني انت بتأكد للرجالة ديلك النجس مجرد ما سمعت كلام عليها من شوية حريم غيرانة ولا رجالة مفيهاش ريحة النخوة قومت جريت على بيتها دا بدل ما تتأكد وتجطع لسان اللي يتجرأ على أم بنتك اللي انضرت أكتر واحدة
في الحكيوة دي.
كلمات وصفي التي كانت كالسياط على ظهر عرفان تلسعه فتساهم في صب الخزي عليه ليزداد هياجا وجنونا
مين اللي أوجفه عند حده يا وصفي إذا كانت هي نفسها بتديله الفرصة عشان يثبت الكلام عليهم ضاجت عليه الدنيا
حرام عليك يا شيخ بتردد بالكلام البطال وانت أكتر واحد عارف مين هي مزيونة مش عايزاك تدافع عني بس أقله متزودش بكلام هتتسأل عليه دا غير إن عندك ولايا غيري خاف عليهم.
أضاف عليها وصفي مخاطبا إياه واللي يسمع كلام الحريم ويردد وراهم يبجى زيهم.
لم يكترث عرفان بل زاد من الضغط عليها تمام جوي يا وصفي جدام الرجالة أها أنا هجفل خشمي خالص ومش هجيب سيرة بس وريني بقى هتوجف ألسنة الناس إزاي وهو جارها في منطجة
متابعة القراءة