لأجلها بقلم أمل نصر بنت الجنوب ج٢ من الفصول

لمحة نيوز

يتوسطهم جمعة الذي قابله بابتسامة سمجة قائلا
معلش بجى يا صاحبي... هي جات كده!
رفع طرف شفته نحوه بازدراء قبل أن يلتفت لصاحب الصوت الحازم والذي عرفه من هيئته المتأنقة فارتفعت يده تلقائيا إلى جبهته موضع ضربة الرأس القوية التي حط بها تذكارا منه قبل ذلك ليخاطبه الآخر بابتسامة شر
عطوة باشا! وحشتني يا راجل.
....................................
داخل الغرفة التي تستذكر فيها دروسها ليلا
ورد إلى أسماعها فجأة صوت صهيل خيل ليس بغريب عنها. أرهفت السمع عند اقترابه أكثر وأكثر حتى شعرت بأنفاس الحصان في ظهرها ترافقه أصوات حك بالخشب لتنتفض من مكانها نحو النافذة القريبة خلفها تفتح شراعيها وتتوسع عيناها بذهول وانبهار وهي ترى رأس ذلك الكائن الجميل يمتد بفمه نحوها لتلتقط منه علبة مغلفة ملصق عليها كارت أبيض.
تناولته بلهفة تداعب وجهه بمرح مضاعف حتى إنها لم تقو على منع نفسها من تقبيله قبل أن تفاجأ بصوت صفير بشري جعله يرتد عائدا على الفور نحو مجنونها الذي كان ينتظره عند المجري المائي.
يطالعها بابتسامة صامتة بادلته إياها على استحياء لتتفحص الهدية المغلفة والتي كانت لوح شوكولاتة فاخر والظرف الأبيض مكتوب به
حاجة بسيطة عشان تساعدك على المذاكرة والنبي قبل الهدية
أمسكته بيدها لحظات بتردد قبل أن ترفع أبصارها إليه بنصف ابتسامة تغيظه ثم تعيد غلق النافذة بوجهه ليعتلي هو حصانه بحنق لا يخلو من مرح أيضا لقبولها هديته واضعا همه بالحصان هامسا له بحسد
أنا أتعب وأخطط وأشيل هم المغامرة وفي الآخر يتقفل الشباك في وشي وإنت تاخد البوسة على الجاهز يا ابن المحظوظة!
...يتبع
قولتلكم وصلوا الفصل لالفين وانا الحقكم باللي وراه على طول
شدو حيلكم المرة اللي فاتت قربنا بالفعل.
الفصل الثالث عشر
في زحمة الحياة يتأرجح قلبها بين حب يخفيه الحياء وخوف يبرره العقل. تقف عند حافة هذا التوازن تراقب خطواته المقتربة منها وتختلط مشاعرها بين الحاجة إليه والقلق من فقدانه. هي لا تطلب منه سوى أن يبقى أن يستمر في كونه ملاذها الهادئ تلك المساحة الصغيرة من الأمان التي لا تعرف سواها.
المراجعة والخاطرة للجمر حجي سنا_الفردوس
الفصل الثالث عشر
من تشتريه بالمال اعلم أيضا أنه سوف يبيعك بالمال. هذا ما كان يعرفه جيدا ومع ذلك أعطاه الأمان ولم يتوقع منه الخيانة بهذه السرعة وخلال أيام معدودة. ذاك الذي يقف الآن بالقرب من الحائط مصوبا بصره نحوه ببرود مدهش يراقب التحقيق الذي يجرى معه وكأن الأمر لا يعنيه.
انطج ياض طلعت على بيت مزيونة وكنت عايز تدخله ليه سرجة ولا غرض تاااني
هدر بها حمزة حتى ارتعشت لها أطراف الآخر وهو يبتلع ريقه الجاف بصعوبة ليواصل الإنكار بإصرار
يا بوي معملتهاش ولا أجدر أنط على البيت أصلا. أحلف لكم بإيه عشان تصدجوني بس
كان حمزة في أوج غضبه يود فعل الأفاعيل به ولكنه يتحرى الصبر حتى يصل إلى غايته
مش هكلمك على الطلج اللي صاب رجلك ولا عينة الدم اللي رفعتها الحكومة وأثبتت إن الفصيلة تخصك. يعني كلها أدلة تدينك ومثبتة عليك يعني خلصانة.
دنا ليضغط بأنامل أصابعه الخشنة القاسية على جانبي فك الآخر حتى كاد أن يهشمهما ليهمس بفحيح وتوعد
حظك يا عطوة إنك متصاب في رجلك ومجادرش تمشي عليها إنما لولا كده كنت علجتك دلوك زي الدبيحة في مروحة السجف وأتسلى عليك الليلة كلها.
توقف برهة يشاهد الهلع الذي ارتسم على ملامح المذكور كلوحة بائسة بهتت ألوانها حتى أصبحت كشحوب الموتى ليعزز من هواجس تعبث برأسه
لآخر مرة بسألك يا حيوان كان للسرقة ولا لسبب تاني عرفان ليه يد معاك في الموضوع ده ولا لاه
سمع عطوة الأخيرة وكأنها طوق نجاة يتمسك به لينفد من يدي هذا المجنون قبل أن يزهق روحه إن واصل الضغط وأخذ الإجابة وهي طمعه الحقيقي بمزيونة الفاتنة وليس أي غرض آخر حتى ابنتها لا تشغله.
أيوه يا سعادة البيه عرفان هو اللي سلطني إني أفط على البيت وأهدد مزيونة وأخوفها عشان تجبل ترجع له لما تحس بالخطر.
.................................
حين تطول السنوات على الذنب الذي اقترفته ويطمئن جانبك من اكتشافه تتناساه بل ويغلبك الظن أنك لم تفعله من الأساس وأن النتائج التي ترتبت عليه من خسائر للبعض وفوز لك ما هو إلا إرادة القدر. والقدر بريء ممن ماتت ضمائرهم وزين لهم الشيطان أعمالهم.
سارت تسحب أطفالها بمرح داخل منزلها الذي دلفت إليه عائدة من الزيارة الأسبوعية لأهلها وقد جددت نشاطها بيوم كامل قضته في صحبة الأهل وزينت نفسها بما يجعلها تسترد شغف زوجها بها. صادفت في طريقها إحدى المرايا الملتصقة بالحائط لتقف أمامها وتخلع الطرحة التي تلفها حول رأسها فانساب شعرها الذي صففته بالمكواة اليوم وجعلته حريرا يحيط بوجهها الذي أضفت عليه بعض المساحيق لتبدو فاتنة كما ترى الآن مما عزز الثقة بداخلها لاستعادة زوجها الذي يصفعها بجفائه هذه الأيام.
لم تكن تعلم أنه هو أيضا كان في انتظارها في هذا الوقت على أحر من الجمر ليس حبا واشتياقا مثلها إنما لشيء آخر شيء أخطر من أن تتصوره. فهو أيضا استغل ذلك اليوم الذي فرغ فيه المنزل منها ومن أولاده في رحلة من البحث استغرقت منه نصف النهار حتى قلب الأثاث رأسا على عقب ليعثر في الأخير على غايته ويتأكد أخيرا من ظنه بعد سنوات من الغفلة قضاها مع امرأة سوداء القلب مثلها. ولتكن المفاجأة من نصيبها الآن وهي ترى منزلها بهذه الفوضى حينما قدمت إلى الطابق الذي يجمعها به
يا مري يا عرفان إيه اللي عمل في البيت كده مفيش كرسي جاعد مكانه! إيه اللي حصل يا بوي
تلقى سؤالها ليعلق
بسخرية وهو واقف أمامها ببرود يكاد أن يجلطها
معلش أصلي كنت بلعب كورة مع نفسي لما لقيت البيت فاضي عليا.
رددت خلفه بملامح طفا عليها الريبة والاستهجان
تلعب كورة
تجاهلها بإعطاء انتباهه للأطفال وناولهم عددا من الأوراق المالية حتى ينصرفوا مهرولين نحو البائع في شارعهم من أجل ابتياع الحلوى ليخلو المنزل عليه وعليها. فتحرك داخلها الأمل لتتغاضى عن الفوضى التي أحدثها بالأثاث وتتذكر هيئتها الجديدة وزينتها فتبادره بحديثها
شكلك كنت فاضي صح وإحنا مش موجودين. يلا بجى مش مهم أبجى أرتب فيهم براحتي بعد كده. المهم إيه رأيك في النيولوك الجديد...
قطعتها بضحكة استفزته بسخافتها وهي تتابع
زي ما بيقولوا في المسلسلات بس أدينا بنقلدهم وخلاص. ده لسه كمان لما ألبس عليهم قميص النوم هتشوف إيه...
زفت.
قاطعها بها ليتابع بقسوة
هشوف إيه تاني يا بت هو إنتي خلقتك دي حد كان يبصلها أصلا من الأول
اجفلت بعدم استيعاب لفظاظته مرددة
عرفان إنت بتجول إيه
لم ينتظر المزيد من اللغو هجم عليها مباغتا على حين غرة دافعا إياها بكفه حتى ارتطم ظهرها بالحائط خلفها ثم ثبتها ليرفع بيده الحرة شيئا ما أمام عينيها ويسألها
تجدري تجوليلي إيه ده يا بت برقت عينيها تنظر إلى تلك القماشة المطوية على شيء ما بداخلها وقد انفكت الخياطة عنها لتخدع عينيها في البداية بعدم معرفته حتى كادت أن تحلف على ذلك قبل أن تتذكر أخيرا جريمتها المنسية لكثرة ما مر عليها من سنوات. ومع ذلك ليس لها خيار إلا الإنكار
إيه ده يا عرفان طلعته منين يا مراري... ليكون حد عاملنا عمل... آه...
ما كادت تنهي عبارتها حتى تلقت على وجنتها لطمة مدوية جعلتها تصرخ من شدتها قبل أن يجفلها بلف شعرها المصفف حول يده ليردد بشر مطلق
وهو في حد شيطان غيرك يجدر يعملها! بجى أنا... أنا عرفان الأشقر يتعملي أسحار وتندس في المخدة اللي بنام عليها بجالي سنين! أنا! يا ملعونة تكرهيني في مرتي وأهجرها بالسنين عشان خاطرك عملتي إيه تاني يا بتاعة الأسحار!
صرخت بألم تدافع وتواصل إنكارها
آآآه! مين بس اللي جالك الكلام ده مين اللي فتن واتبلى عليا ظلم أنا بنت خالتك يا عرفان مش غريبة عنك عشان أعمل حاجة عفشة زي دي!
ضغط بشدة حتى كاد أن يخلع الشعر من منبته متابعا
محدش جالي يا بوز الأخص! إنتي اللي الزمن غرك وخلاكي نسيتي إن المدعوج ده ليه مدة محددة وخلصت خلاص! عشان أصحى أنا لنفسي وعقلي يشتغل... أنا اللي غلبني الشك وجلبت البيت النهاردة عشان أعرف السر... لقيت العمل من غير ما حد يدلني على مكانه... خدته ورحت بيه على واحد من عينة اللي عملهولك عشان يفسر كل الكلام في الورقة اللي جواه... بجى تعمليه بالمحبة ليكي يا بومة وتخليني أكره مرتي اللي بحبها وبتي! أنا بتغفليني يا بت الفرطوس!
ليس لديها الآن إلا الدموع تترجاه بمظلومية زائفة
حرام عليك يا عرفان متصدقش! وحتى لو حصل هتبجى واحدة من الاتنين... يا أمي يا أمك! ما إنت عارفهم كانوا باكين عليك إزاي وعلى الغلب
اللي عايشه مع مزيونة المرضانة! أنا إيه ذنبي يا ناس
أيييوه!
تمتم باستدراك سريع ليزداد اشتعال رأسه بالتخمينات مردفا
جبتي سيرة مزيونة ومرضها! أنا إيه اللي يضمني إن مرضها كان طبيعي! ما يمكن كان بأعمالك برضو يا ملعونة! أنا هشربك العذاب ألوان يا صفا بحق كل اللي عملتيه في حجي وحق مزيونة! هعرفك زين عفاشة عرفان وأجيبها ست عليكي تشتغليلها خدامة انتي وعيالك!
ختم كلماته ليكيل لها اللكمات والضربات الموجعة في كل جسدها غير آبه بصراخها الذي ملأ الأرجاء حول المنزل ولا بتوسلات أطفاله على باب الشقة مع بعض الجيران التي تطوعت للتدخل حتى تفصل بينهما.
فلم ينجدها من بين يديه سوى تدخل الشرطة التي اقتحمت لتجفله بحضورها وتبعده أيدي الرجال عنها بحالة يرثى لها وكأنها على وشك الموت. فصرخ بهم موجها الاتهام للجميع
واحد و بيربي مرته إيه دخل الحكومة! ولا مين اللي اتصل بيها أصلا!
وجاء الرد من الضابط المسؤول
محدش اتصل ولا بلغ عن ضرب مرتك أصلا مع إن دي كمان جريمة تضاف على جريمتك.
بأنفاس لاهثة ردد بتشتت
جريمتي! جريمة إيه اللي عليا!
...........................
عاد إلى منزله أخيرا وألقى بجسده على الفراش يتأوه بتعب لكن يغمره شعور براحة لا تقدر بثمن بعدما أنجز مهمته وسلم المجرم الأول إلى الشرطة ليدل بدوره على المجرم الثاني ويتم القبض عليه هو الآخر في نفس الليلة.
ساعات قضاها مع الضابط المسؤول في مباشرة التحقيقات ولم يغادر المكان إلا بعد أن اطمأن برؤية شريكي الجريمة مكبلين بأصفاد السجن الحديدية. لو بيده لأذاقهما أضعاف العذاب مقابل كل لحظة من الرعب عاشتها هي وابنتها في تلك الليلة. ورب ضارة نافعة فبفضل تلك الأحداث نشط عقله ليخطط لبناء منزل الأحلام بجوارها ووجد حجته في القرب منها.
بقي له أن يرى رد فعلها حين تعرف بالخبر لا بد أن يرى ملامحها بنفسه. كيف له أن يصبر حتى الصباح ليخبرها
داخل قسم الشرطة
بعد ساعات من التحقيقات التي قضاها أمام الضابط المسؤول نفى واعترض وحاول بكل السبل أن يثبت براءته لكن لم يصدقه أحد. حتى في مواجهته مع ذلك الفاسد الذي افترى عليه أصر الأخير على اعترافه بشراكته معه بوقاحة منقطعة النظير. وحتى الآن لا يستوعب جرأته في رمي التهمة عليه لكن لا بأس فقد حان موعد زجه في زنزانة الاحتياط التي تجمع عددا من السجناء الجدد وكان هو من ضمنهم.
خش يا مسجون مع أصحابك وإياك أسمع لحد فيكم حس.
قالها رجل الأمن وهو يدفعه لينضم إلى المجموعة. قبل أن يغلق الباب الحديدي وقف في منتصف الغرفة يطالع وجوه المشتبه بهم
المنشغلين بشؤونهم عن استقباله.
بتركيز شديد راح يبحث عن غريمه بينهم دارت عيناه يمينا ويسارا لتعود إلى نفس النقطة حتى وقعت أبصاره عليه أخيرا يتخفى بجسده الهزيل خلف أحدهم.
على الفور توجه إليه والتقطه من تلابيب ملابسه
بتداري نفسك عني فاكرني مش هعرف أجيبك يا جبان
وختم كلامه بلكمة قوية على فكه الأيسر كادت تطير صف أسنانه بالكامل ليصرخ عطوة متوجعا بصوت عال حتى التف حولهما الرجال يحاولون الفصل بينهما
جرى إيه يا جدعان في إيه صلوا على النبي.
جاهد عرفان لتخليص نفسه من أيدي الرجال الذين كبلوه عن الفتك بخصمه بينما راح الآخر يحتمي بعدد منهم يدافع عن نفسه بالزور والإنكار
بتضربني وتحط غلبك فيا طب أولي اتشطر على اللي لبسنا إحنا الاتنين لبعض عشان يخلاله الجو. أنا زيي زيك يا عرفان افهم بجى.
زيي فين يا نجس سيبوني يا ناس آخد فيه جناية أسهل لي. الواد ده...
قالها عرفان وهو يواصل محاولاته للإفلات من بين أيدي الرجال الذين ازدادوا تشبثا به شاعرين بالخطر المتفاقم تجاه الآخر الذي تابع بإصرار كي ينفي التهمة
أيوه يا عرفان زي ما بجولك أنا فيا كل العبر إلا الخيانة. بس الراجل اللي اسمه حمزة القناوي هو اللي سبكها زين جوي ولبسنا أنا وإنت مع بعض.
ارتخت ذراعا عرفان قليلا مع انتباهه للاسم البغيض على قلبه يردده باستفسار طبيعي
حمزة القناوي وإيه دخل حمزة القناوي بنصيبتك معايا دا انت بتتبلى عليا بعين جوية يا واض... سيبوني أخلص عليه!
والله أنا جولتلك وإنت عندك عقل تميز بيه.
قالها عطوة متابعا بث الفتنة باختلاق القصص حتى أسعفه الحظ بدخول رجل الأمن. وما إن رآه المذكور حتى صرخ مستنجدا به
الحقني يا شويش! الحقيني يا حكومة! هتحصل جريمة قتل النهاردة لو ما خلصتونيش من الراجل ده دا داخل مخصوص عشان يخلص عليا! الحقوني يا ناس!
وبالطبع أتى صراخه بنتيجة لينقل إلى زنزانة أخرى بعيدا عن أيدي عرفان الذي كان مصرا على ارتكاب جريمة. ترك عرفان وحده يصارع أفكاره بين غل وتوعد بالقضاء عليه وبين الحيرة التي اجتاحت رأسه بعد الفكرة التي زرعها عطوة في عقله عن حمزة القناوي ونيته للتخلص منه من أجل الحصول على زوجته.
................................
في صباح اليوم التالي
أتى مبكرا قبل الجميع وقبل حضور رجال البناء مكتفيا بعدد قليل من ساعات الراحة. سحب طفله المشاكس حجة للقاءها وإخبارها بالجديد. ولحسن حظه كان هذا موعد خروج ليلى لمدرستها. وما إن رأت الصغير حتى تهلل وجهها في استقباله ببشاشتها
ريان باشا بحاله كده ع الصبح دا إيه الاصطباحة الجميلة دي بس
قابلها الصغير هو الآخر بابتسامة واندماج سريع لا يحدث إلا نادرا مع الغرباء. قبلته من وجنتيه قبل أن تغادر إلى مدرستها ليتقابل الوالد مع معذبته بعد أن خرجت هي أيضا على الصوت تستقبل الصغير وتدلله بفطرة أمومية يتقبلها ريان برحابة ويتلقاها هو براحة شديدة فتداعب الأماني الجميلة خيالاته.
وحين انصرف من جوارهم تحدث هو
عرفتي بالأخبار الجديدة
أخبار إيه
تلقى استفسارها برزانة شديدة وأجابها
امبارح الشرطة قبضت على اللي اتهجم على البيت. بعد التحريات والأدلة اللي جمعوها اتضح إنه عطوة... صاحب جوزك.
وقع تأثير الخبر علي ملامحها التي تقلصت بغضب فجاء ردها مفاجئا له
عديم الشرف! أني برضو كان جلبي حاسس عشان نبرة الصرخة المكتومة دي مكنتش بعيدة عن ودني.
طب وليه ما جولتيش على شكك ده للحكومة
عشان ما ينفعش أتكلم لمجرد شك مش يمكن يطلع بريء أو يطلع حد غيره اللي عملها
تمتمت بها ردا عليه لكن بداخلها كانت تجزم أنه هو. لكنها تعلمت من تجاربها أن أمثال عطوة لن يغلبوا في قلب الطاولة وربما يتهمونها باتهامات أخلاقية.
أردف يتحفها بالبقية
على العموم هو اعترف على اللي وزه واتقبض عليه هو التاني معاه.
مين
عرفان.
عرفان عرفان كيف يعني
قابل دهشتها بنوع من الحدة
وإيه الغريبة في كده دا عطوة بنفسه اعترف إنه هو اللي سلطه عشان يخوفك إنتي وبتك وتجبلي ترجعيله. أظن فهمتي دلوك الغرض من ورا مجموعة الإغراءات اللي قدمها لرجوعك ليه.
أومأت تدعي التفهم لكن حدسها كان عكس ذلك تماما. رغم منطقية الأسباب التي ذكرها إلا أن إحساسا ما بداخلها يكذب كل ما سمعته.
أما هو فقد استفزه شرودها وظن أن سبب صمتها هو شفقة على طليقها الملعون. كم ود لو يهزها بعنف لعلها تنفض غبار
التفكير به وتدرك قيمتها كامرأة تستحق الأفضل وتستحق كل ما هو جميل.
كنت ناوية ترجعيله
توجه بسؤاله نحوها وقد غلبته عاطفته وأنساه الغضب حرصه. فقابل ردها بنظرة غامضة من عينيها الجميلتين طالعته بها بصمت دام لحظات حتى شعر أنها تفهمه ولكنها كالعادة لم تريحه بإجابة واضحةأو أن ترطب على قلبه الملتاع لو قليلا
مالوش لزوم السؤال خلاص الحكاية فضت لوحديها. عن إذنك بجى يا أبو ريان الناس البناونة بدأوا يهلوا.
قالتها مشيرة بنظرها نحو عدد من رجال البناء القادمين من أول الطريق لتسحب نفسها من أمامه وتتركه في حالة من الغليان تجعله يود الضرب بأقدامه على الأرض كالأطفال. هذه المرأة ستذهب بعقله لا محالة.
تنهد وسحب أنفاسا عميقة ليهدئ قليلا من وتيرة انفعاله ثم أخرج الهاتف من جيب سترته وهاتف من يعرف أنها ستسمعه
إيوه يا منى عايز أحكي معاكي شوية... مخنوق.
وهكذا مرت الأيام بين مد وجزر شعور من الفرح يحلق به إلى أعالي السماء وآخر من الإحباط يسقط به مكسور الجناح. حتى جاء ذلك اليوم المميز لأهالي البلدة......
...............................
بعد مرور شهر وفي منزل حماد القناوي حيث الاستعدادات لليلة الختامية لمزار البلدة والذي يتم الاحتفال به كل عام على مدار ثلاثة أيام تذبح الذبائح ويطعم الجميع وتقام ليالي الذكر وسباقات الخيل المرماح. يتحمل التكاليف كبار الأغنياء ومن استطاع التبرع من باقي
الأهالي فلا يضر فالغاية أن يفرح الجميع. وبما أن منزل حماد القناوي من كبار الداعمين فمعظم احتياجات الحفل والطعام تخرج منه.
أما عن معاذ فقد كان في هذا الوقت يطعم الحصان وينظفه بحماس شديد أثناء حديثه مع والدته
ليلى هتيجي المرماح النهارده يا أم حمزة يعني هتتفرج عليا وأنا في السباق وبرقص ع الحصان. الليلة هتبجى أحلى ليلة تمر على ولدك يا ست الكل. ضحكت حسنية وضربت كفا بكف معلقة يا خويا ربنا يفرحك على طول هو أنا هكره على الله بس يهدي أمها وترضى تجوزهالك بدل ما تفضل كده معلق وراها بالسنين. ووه يا أمه ما تفوليش في وشي. ده أنا مستني السنة دي تعدي على نار وأول ما تمسك شهادتها في يدها هاروح لمزيونة وأعملها ميت لو ما ادتنيش البت.
قالها معاذ بانفعال وهو يجهز الحصان ليعتليه مما أغضب والدته فأنهته قائلة
طب بطل خربيط في الكلام واهمد كده كل حاجة تاجي بالصبر. ضرب بأقدامه على الأرض بعصبية أصبر ده إيه يا أمه بجولك ع تجن على البت! ما تحسوا بيا يا جدعان باه.
جلجلت ضحكة المرأة في الحديقة حتى لفتت أنظار تلك التي كانت في الشرفة فأعطت تركيزها التام لهما مما أثار حنق معاذ فنبه حسنية
طب أرجع أجولك تاني خلي بالك مرت ولدك ناكتة عينها علينا وأكيد هتحاول تجرجرك في الكلام عارفها هتموت وتعرف اللي فيها. خطفت حسنية نظرة عابرة نحوها وأومأت بقلة حيلة أجولها ولا ما أجولهاش عاد ما هو كل حاجة نصيب. ربنا العالم أنا كنت رايدة إسراء أكتر منها بتنا اللي مربينها وعلى الأقل جاهزة لكن بقى إنت غاوي تعب أعملك إيه ضحك وهو يستقر على حصانه مرددا أديكي جولتيها بنفسك غاوي تعب والغاوي محدش يلوم عليه. ادعيلي بس ربنا يوفقني ويقرب المسافة.
شملته بنظرة إعجاب وهو يتحرك بحصانه العزيز مغادرا نحو وجهته لتتضرع إلى الخالق برجاء داعيالك يا ولدي يريح جلبك إنت وأخوك إن شاء الله يا رب في أقرب وجت تنول مرادك.
أما عند منى فقد كانت ترجو زوجها هذه المرة في الخروج رغم انشغاله بتصحيح كراسات التلاميذ المرصوصة أمامه
ممكن يا أستاذ منص تأذن لي أخرج النهارده ومش هعوج بإذن الله إنت عارفني. ضحكة صغيرة ساخرة صدرت منه ليعلق دون أن يرفع رأسه إليها حلوة عارفني دي. طب جولي حاجة تانية على الأقل أبلعها زي كل مرة ما بتضحكي عليا. أعجلي يا منى وبلاها لعب العيال بلا مرماح بلا كلام فاضي.
تفهم جيدا سبب رفضه ومع ذلك تدعي عدم الفهم يعني كل ناس البلد مجانين وإحنا بس اللي عاجلين عشان نسميه كلام فاضي خبر إيه يا منص ما تفكها شوية حمزة أخويا هيزعل مني.
ترك التصحيح ليطرقع بالقلم على الطاولة بغيظ مواجها لها أفهم بجى يزعل ليه حضرته ما يكلف أي واحدة من أخواتك التانيين. أشمعنا ماسك فيكي إنت مشاوير مستشفى وجلنا ماشي مشاوير لبيوت وزيارات جلنا ما يضرش ست وحدانية هي وبتها إنما مرماح ومهرجان رجالة رايحة ورجالة جاية
عند هذه النقطة لم تقو على منع ضحكتها لتردد بعد قليل يا راجل لساك برضو فيك الداء ده ده أنا كبرت وبقيت حجة يا منصور.
ما تجننيش! صاح بها بغضب حقيقي وأردف بعصبية رايحة جاية تجولي كبرت! إنت ما كملتيش الخمسة والتلاتين أصلا. ومش معنى إنك حجيتي بيت الله يبقى خلاص عديتي السن ومحدش هيبصلك!
حسنا لقد وصل إلى تلك النقطة التي تتجنبها طوال الوقت منذ زواجهما والتي لا يصح معها العبث أو المزاح ولا يصلح معها إلا حديث العقل واستدراج عاطفته
حاضر يا منصور إنت عندك حق. طب مش هاجولك إني لابسة خمار ولا إني مغطية حتى ضفر رجلي من تحت لكن هأنبهك لحاجة وانت اللي تحكم. أنا طلعتها في راس مزيونة إنها تطلع وتشوف الفرح في البلد. الست طول عمرها محبوسة وإحنا ستات يعني طريقنا مختصر والطلة وحدها لو من بعيد هتفرحنا. مش بنات صغيرين هندخل من جوه في وسط الزحمة على المراجيح والمهرجانات. وعلى العموم يا سيدي لو لساك معترض أنا أبعت لها البت تعتذر وهي حرة بقى وربنا يتولاها.
بحنق شديد صار يطالعها بصمت وتفكير متعمق رغم غيظه من مكرها في رمي الكرة في حجره حتى يكون القرار منه بعدما استدعت عاطفته نحو المرأة التي يشفق عليها من كثرة ما حدثته عنها ليزفر في الأخير حاسما
ساعة وهترجعي على طول. عوجتي عن كده يبقى خلي حمزة ينفعك!
تهلل وجهها مرددة يا خويا ده حمزة هيدعيلك من جلبه وأنا أزيد من ساعة مش هاجعد ربنا يجبر بخاطرك يا رب.
....................................
ياللا يا نسرين ياللا يا سمر عايزين نلحق نجضي لنا ساعة حتى على الأقل! هتفت بها ليلى موجهة الحديث إلى صديقتيها بعد انتهاء اليوم الدراسي لتسحبهما معها مغيرات طريقهن نحو الاحتفال بدلا من الذهاب إلى منازلهن كالمعتاد.
فردت الأولى بتعب
ياللا ياللا ما إحنا ماشيين معاكي. أها هنركب عجل في رجلينا دا إحنا مفرهدين أصلا يا غالية. يعني حقنا نروح البيت ننام لحد ما ييجي ميعاد الدرس مش نتفرج على مرماح وكلام فاضي!
عبست ليلى نحوها ثم خاطبت الأخرى قبل أن تعود إليها
أنا كنت عارفة من الأول... البت دي بوز فقر! ما تهمدي يا بت واتبطي إحنا كل يوم هنلاجي حاجة حلوة نروحها دا أنا مصدجت إن أمي سمحتلي أجي رغم المذاكرة اللي ورايا!
أيدتها سمر موجهة تقريعها للأولى
أنا معاكي يا صاحبتي حتى لو هنتأخر. علقة تفوت ولا حد يموت! دي كفاية نشوف الحصنة وجمال الحصنة واللي
راكبين على الحصنة!
ضحكت ليلى
بانطلاق وقد فهمت المغزى الذي تقصده سمر لتضمها من ذراعها إليها مغمغمة
إيوه يا صاحبتي انتي بس اللي فهماني. ربنا يخليكي ليا وما يحرمك مني!
واختتمت بضحكة شاركتها فيها الفتاتان مواصلات حديثهن والمزاح حتى وصلن إلى موقع الاحتفال حيث ألعاب المراجيح الخشبية والسواقي التي التف حولها الأطفال وأغاني المهرجان التي تذاع بصخب من سماعات عربات المثلجات والحلوى وبائعي البطاطا المشوية الساخنة والذرة صخب وزحام كأنه مولد شعبي.
واصلن طريقهن حتى وصلن إلى الساحة الضخمة لتجمع الرجال حيث رجال يعزفون المزمار وسباق لخيول بفرسانها تركض بعصا طويلة نحو نقطة معينة.
وفي جانب آخر تواجدت خيول وأصحابها في مكان مخصص لهم للاستراحة للأستعداد لخوض السباق.
وقفت هي وصديقتاها تبحث عنه وقلبها كالطبول التي تقرع بالقرب منها. شعرت به يتحرك من موضعه فور أن وقعت عيناها عليه يركض قادما بحصانه عائدا من تلك النقطة البعيدة لنهاية السباق. منتصب الظهر يقوده بثقة المنتصر فارسها المغوار.
هو أيضا انتبه إلى حضورها من بين الفتيات ليشعلها بنظرة اخترقت وجدانها وجعلت الفرحة تكتسح ملامحها بوضوح. لكن سرعان ما خبأت ابتسامتها بعد سماعها لقول سمر
ليلى خلي بالك مش عايزين حد يعلق علينا ولا يفهم غلط.
قصدك إيه سألتها ليلى بتكلف لتجيبها نسرين بحرص
جصدها واضح يا ليلى في واحد مدبقنا من ساعة ما جينا الساحة وعينه عليكي إنتي بالذات ما اتشالتش.
تطلعت نحو الجهة التي أشارت إليها بعينيها فتأكد لها بالفعل أن هناك من يترصدهن شاب يعلو إحدى الخيول يطالعها بفجاجة أثارت ارتيابها حقا. فسارعت لطمأنة الفتيات
هشوف معاذ وهنمشي على طول يا بنات هو أكيد جاي دلوك مش هيعوج.
وفي جهة أخرى وقف حمزة يراقب قدومها بصحبة شقيقته العزيزة والتي جاءت بها عبر طريق مختصر بعيدا عن الزحام ومن أجل راحة الجميع.
كانت ترتدي عباءة سوداء محتشمة لم تنقص من جمالها شيئا بل زادتها فتنة حتى جعله يندم على ترحيبه بالفكرة. لكنه أرادها أن تعيش عمرها تعوض ما فاتها. يكفيه أن يرى تلك الابتسامة الساحرة وهي تتحدث بعفويتها مع شقيقته التي تجبرها بخفة ظلها على الضحك.
تنهد داخله بلوعة... متى تشعر به
عودة إلى الفتيات وقد اتخذن موقعهن بعيدا عن الزحام إلى حد ما بناء على اتفاق مسبق بين ليلى وذلك الفارس الذي اقترب بحصانه نحوهن يلقي التحية على الفتاتين اللتين ابتعدتا بمسافة قريبة نسبيا من تلك الحورية التي وقفت تقابله بلهفة ومشاعر جمعت بين الفرح لرؤيته بعد ذلك العرض الذي قدمه مع المجموعة وجعل قلبها يتراقص على أنغامه كما كان يتراقص حصانه الجميل على المزمار وبعض من القلق المتزايد بسبب ذلك الشاب الذي يتبعهن منذ قدومهن ولم يرفع عينيه عنها حتى الآن.
كاد قلبها أن يتوقف من فرط فرحته وهي تستقبله ينزل عن حصانه المحبب يخاطبها لاهثا بعد المجهود الرائع الذي بذله ليثبت لها أنه فارس حقيقي وليس مجرد كلمات في الهواء
أخبار الجميل إيييه عجبك المرماح
جوووي! من زمان بتحايل علي أبوي عشان يجيبني لكنه دايما كان بيرفض كان نفسي بس أركب ع المراجيح والسواقي... يا ريتني كنت صغيرة بقى.
عقب على قولها بانفعال
أبو العيال على الكل كليلة لو عليا كنت مشيتهم كلهم وسيبتك لوحدك تلعبي بيهم بس أعمل إيه بقى في العيون اللي بتناظرك دي كمان عايزة مجهود لوحديها عشان أخذق عينين كل واحد بيبص عليكي.
ضحكت تغلق فمها بكف يدها مرددة
والله إنت مجنون يا معاذ. أضاف عليها بتأكيد بيكي! أنا مجنون بيكي يا جلب معاذ... استني هنا هروح أجيبلك حاجة حلوة.
هتروح فين استنى أنا مش عايزة حاجة.
لم يستمع لندائها بل ابتعد خطوات قليلة متوجها نحو إحدى العربات المزينة بالقرب منهم ليبتاع لها الفشار...
...............................
وفي ناحية أخرى توقفت المرأتان بجوار عربة الحلوى لتعلق مزيونة بخجل ضاحكة أيضا
أما إنتي عقلك صغير يا منى! هنمشي إزاي باللي اشتريناه ده يا ولية
تبسمت الأخيرة بتصميم وهي تمسك عددا من الأكياس المنتفخة بداخلها الحلوى
اللي يعرف أبويا يروح يقوله كلي يا بت واتمتعي يا فقرية! مش كل يوم هنلاجي فسحة ولا نشم هوا بعيد عن الضغوط.
ضغوط إيه سألتها ببراءة لتجيبها الأخرى بمغزى
الضغوط وأبو الضغوط! ده أنا مصدجت إني أتخلى عنهم النهاردة يا ساتر! بحسد السناجل والنعمة.
فهمت مزيونة إلى ما ترمي إليه عن زوجها والأطفال لتغرقها كعادتها في نوبة من الضحك فتنسي اتزانها المعتاد حتى تفاجأت بمن ظهر أمامها من العدم
ما شاء الله عليكم ساحة المرماح نورت بيكم.
ضحكت منى تستقبل أخاها بكلمات مفهومة إليه
عارفين يا واد أبوي خليها تنور وتزهزه هو إحنا جليلين
لا طبعا يا ست منى كد كلامك. عاملة إيه يا ست مزيونة
تبسمت تجيبه بخجل طغى على ملامحها حتى توردت له وجنتاها وكأنها فتاة في عمر المراهقة لم تنجب أو تتزوج من الأساس رغم حرصها الدائم على إخفاء مشاعرها
زينة يا أبو ريان الله يبارك فيك... صحيح هو فين ريان أومأ لها بسعادة نحو مجموعة من الأطفال تلعب بالقرب منهم ينادي مصدر حظه وقربه منها طوال الأيام الفائتة
واد يا ريان تعال هنا سلم على عمتك وعلي الست مزيونة.
......................
عاد معاذ محملا لها بمجموعة أشياء أخرى يشير لها كي تفتح كفيها بتصميم جعلها تكتم ضحكاتها بصعوبة حتى لا تلفت الأنظار نحوها في هذا الزحام الصاخب وهي تتلقى منه قطع البطاطا الساخنة المغلفة والمثلجات أيضا لتردد بغبطة
كفاية يا مجنون! مرة فشار مرة هريسة ودلوك بطاطا وآيس كريم والاتنين عكس بعض! عايز تبوظلي سناني يا معاذ
بعد الشر على سنانك يا حبة القلب. قالها وهو يخرج من جيب جلبابه قطعة شوكولاتة أخرى مشددا
كليهم ولا وزعي على البنات أصحابك المهم تاخدي كل اللي ادهولك. أنا عايز اليوم
ده يفضل معلم معاكي العمر كله. وده اللي أجدر عليه دلوك لكن لو عليا لا أخليكي تلعبي على كل المراجيح واللعب. بس بسيطة بعد الجواز نعمل كل اللي نفسنا فيه.
قال الأخيرة بغمزة أربكتها لكنها كعادتها لا تعطيه فرصة الاستمتاع بخجلها لتعقب بعبوس مصطنع
أممم... ماشي يا خفيف. عديني بقى خليني أرجع للبنات عشان نروح دول على آخرهم أصلا.
قالتها ليلتف نحو الفتاتين وقد اعتلي علي ملامحهما القلق لتومئ إحداهما لها نحو ذلك الشاب المتربص في جهة قريبة منهن. وما إن التقط نظرتها نحوه حتى افتر فمه بابتسامة غامضة وتلميح غير مريح فانتبه إليه معاذ وسألها
مين اللطخ ده
ارتبكت في لحظتها ولم يسعفها الوقت في البحث عن إجابة وقد تكفلت بها نسرين صديقتها التي وصلها السؤال لترد بعفويتها
دا واحد بيعاكس. من ساعة ما دخلنا أرض المرماح وعينه مش سايبة واحدة فينا... وخصوصا ليلى.
سمع منها واحمرت عيناه فجأة بوميض مخيف مرددا
عينه مش سايبة واحدة فيكم وخصوصا ليلى يعني الواد ده بيعاكسك يا ليلى
لم ينتظر ردا على سؤاله وتوجه نحو الفتى يهم بتأديبه مغمغما بشر
ده ليلة أمه مش معدية النهاردة!
استنى يا معاذ ملناش دعوة بيه! قالتها في محاولة لإثنائه
فكان رده أن دفع يدها عنه متوجها نحو هذا الشاب السمج والذي وقف ينتظره متحفزا ليرد على أسئلته بوقاحة كما يبدو أمام أنظار الفتيات.
وجاء الرد سريعا من معاذ ليسارع بتلقينه درسا لن ينساه ولم يكن الشاب ضعيفا ليتلقى الضرب دون رد وكانت النتيجة معركة حامية التف نحوها عدد غفير من الرجال والشباب حتى وصل الخبر إلى حمزة ومن معه فجاؤوا مهرولين لاستكشاف الأمر لتتفاجأ مزيونة بموقع ابنتها المميز بالقرب من الشجار وهي تبكي خوفا وفزعا من مشهد العراك أمامها.
تدخل حمزة بصرامة ليرفع شقيقه عن ذلك الغريب قبل أن يزهق روحه والذي ما إن خرج صوته صرخ بعلو قاصدا افتعال فضيحة
طب إنت مالك يا بارد أبصلها ولا أعاكسها حتى ولا هي حلوة ليك وعفشة لغيرك
غلى الدم في عروق معاذ حتى لم يترك الفرصة لشقيقه أن يرد بقسوة فجاء رده مدفوعا لحفظ كرامتها ومسؤوليته نحوها
مالي! إنها خطيبتي يا حيوان! يعني اللي يتجرأ عليها أجطع سيرته من الدنيا كلها!
سمعت مزيونة لتذهل ببصرها نحوه ونحو ابنتها التي صعقت بحضورها لتتمتم لها بصدمة وتساؤل موجع
خطيبته!
....يتبع
الفصل الرابع عشر
بالرغم من الزحام هناك أرواح تمضي وحدها
قلوب تتكئ على الفراغ وعيون أرهقها الانتظار
قد نغلق النوافذ لكننا لا نغلق الحنين
وقد نكابر لكننا لا نشفى
بعض الوداع لا يقال فيه شيء لكنه يأخذ منا كل شيء
أحيانا يمضي أحدهم بصمت ويأخذ معه كل الأصوات
ويتركنا نرتب تفاصيل الغياب على أمل ألا ننهار
لكننا ننهار فقط بصوت خافت لا يسمعه سوانا
الخذلان لا يأتي فقط ممن نكرههم
بل من الذين وعدونا أن يكونوا لنا وطنا ثم غادروا
فلا الطمأنينة عادت ولا نحن عدنا كما كنا
ورغم كل شيء نبتسم
لأننا اعتدنا أن نخفي الألم خلف قناع من الصبر
وأن نكمل الطريق حتى لو بأقدام مثقلة بالخذلان
المراجعة والخاطرة للجمر حجي سنا_الفردوس 
الفصل الرابع عشر
لقد فعلها وأعلنها أمام الجميع ولم يكذبه أحد حتى والدتها التي تلقت الخبر كالغرباء لم تنطق ببنت شفة وقابلت أمرها بصمت تام ومريب أيضا
قالها لينفض عنه وعنها أي اتهام فينجيها من شرر ألسنة البشر ليمر هذا الحدث الجلل بسلام ويحين الآن وقت الحساب
وقفت هالة في أعلى الدرج تتابع الشجار الساخن أسفله بصمت مدهش رغم الغليان بداخلها ورغبتها في الصراخ في وجوههم لكن فضولها في معرفة التفاصيل جعلها تصبر وتحلل قبل أن تصدر أي رد فعل
استريحت دلوك استريحت بعد ما خليت الكل يمسك في سيرتك إنت والبنية استريحت بعد ما لميت أهل البلد كلهم يشهدوا عليك وإنت بتربي الواد الصايع ده جدع يا معاذ جدع يا بشمهندس يا عاقل يا راسي!
ختم حمزة كلماته وصفق كفيه بعصبية وتشنج من فرط غضبه حتى جعل الآخر يبرر مدافعا
راسي ولا مجنون! كنت عايزني أسكت وأخلي الناس تمسك سيرتها بعد ما الواد ده خربط بحديته والله لو كان يخصني أنا وبس ما كنت عبرته لكن عند ليلى أصور جتيل!
صرخ بالأخيرة حتى أثار جزع والدته فسارعت بالتدخل لتهدئة الأجواء بين ابنيها مرددة
ما خلاص يا بوي اللي حصل حصل كده كده الواد عايزها وهي كمان رايداه بكرة نعلي الجواب وما حدش يقدر ينطق ببوم حتى قال زيتنا في دقيقنا ومحدش شريكنا
ههاي! جال زيتنا في دجيجنا ومحدش شريكنا!
هتف بها حمزة بضحكة ساخرة خالية من أي مرح ثم التفت عنهم يعطيهم ظهره ليهدئ من وتيرة أنفاسه المتصاعدة بتوتر ملحوظ وتتدخل منى الصامتة منذ بداية النقاش الحاد بتعقيبها
الموضوع مش سهل زي ما إنتي فاكرة يا أم حمزة ولا المجنون ولدك كيف ما عجله مصورله منظر مزيونة النهارده وهي بتسحب بتها بهدوء ومن غير أي كلمة ما يوحيش بأي خير ده غير إنها مش بالسذاجة دي اللي تخليها تجبل بالأمر الواقع معاذ غلط إنه كلمها أصلا في المرماح خلينا نبجى واضحين مع نفسنا ما نبررش عشان نطلع بحلول تغصب غيرنا على حاجة هو مش عايزها
كاد حمزة أن يشكر شقيقته بعدما فسرت طبيعة الوضع القائم بهدوء وعدل دون تحفز جائر لشقيقها حتى أثر على معاذ الذي بدأ يصحو على حقيقة خطأه فيأتي رد حسنية بطبيعة أمومية بحتة تعارضها
ليه يا بتي نسميها غصب هي مزيونة لو لفت الدنيا كلها هل تلاجي زي المهندس معاذ تربية الأزهر وزين شباب البلد كلها! ده غير إننا مستعدين ننفذ لها كل طلباتها من جنيه لمليون اللي تأمر بيه إحنا كديه!
هو الموضوع موضوع فلوس
صاح بها حمزة وقد
عاد للانفعال مرة أخرى مردفا
يا أمه الله يرضى عنك خلينا نفكر بعجل ومانخليش عواطفنا هي اللي تغلب! اللي حصل ما كانش في أوضة ولا في سوق حتى ده حصل جدام أمة لا إله إلا الله من أهل البلد أهم حاجة نرضي مزيونة ده حقها علينا دلوك!
قالها بصرامة وحزم حتى أيدته والدته بحماس
وماله يا ولدي إحنا نخطف رجلينا عليها العشية تكون هي هديت شوية وأنا ليك عليا أصالحها وأراضيها كمان عشان توافق وتقتنع وهاخد منى معايا
اعترضت الأخيرة تبدي رفضها
لا معلش يا أمه اعفيني أنا كفاية عليا الموشح الي هاخده من منصور على تأخيري أسيبكم بجى وأروح أشوفه فوتكم بعافية
تحركت مغادرة لتردد حسنية من خلفها
الله يعافيك يا بتي وإحنا إن شاء الله نطمنك بالأخبار
ثم التفتت نحو ولديها قائلة
الأمور سهلة إن شاء الله ما تعجدوهاش على نفسكم وهي في واحدة في الدنيا تكره راحة بتها
تهللت ملامح معاذ استجابة لكلماتها وقد ارتسمت بخياله الأماني على عكس حمزة الذي ردد بقلق
أتمنى ده يحصل فعلا ما أنا قلبي مش مطمن
أما هالة فقد تحركت هي أيضا ذاهبة لغرفتها وحالة من الغليان تسري داخلها نحو تلك المزيونة وابنتها وأهميتهما الظاهرة بعنف نحو الأربعة حتى المرأة الكبيرة نسيت شقيقتها ووعودها الدائمة بتزويجها لهذا المتمرد الذي كان يتعفف عن الزواج والآن يفتح له ألف باب اللعنة على تلك الحيرة التي أصابتها هل السر في الأم أم في ابنتها
بهدوء تحسد عليه لم تنهرها ولم تضربها أو تثر عليها كما تفعل باقي الأمهات في رد فعل طبيعي لكنها خالفت المتوقع ليس من أجل شيء سوى أن تفهم تفهم ما حدث ولماذا هذا المعتوه تصرف هكذا أمام الناس علي أنها شيء يملكه
أما عن ليلى فقد تسبب الصمت في انهيارها فبدأت تحكي وتبرر وتحكي دون أن تترك تفصيلة واحدة حتى لو لم يكن
لها محل من الإعراب لكنها أصرت ألا تخفي عنها شيئا
بس كل ده اللي حصل من طج طج لسلام عليكم ما خبيتش عنك أي حاجة يا أمي أكيد أنا غلطت ومستعدة لأي عقاب منك بس والله كله حب شريف مفيهوش أي تجاوز من أي نوع يعلم الله حتى سلام اليد كان
ممنوع
أسهبت وأسهبت في التبرير ومع ذلك لا تجد منها إلا الصمت تطالعها بأعين خاوية لا تدري إن كان بها عتب أو
خيبة أمل أو حسرة
ليتها ضربتها حتى كسرت لها عظامها على الأقل سيكون أرحم من هذا السكوت المطبق
يا أمي ردي عليا الله يرضى عنك!
وتابعت البكاء بنشيج حارق حتى بلل سيل دموعها قماش العباءة فوق ركبتي مزيونة والتي أشفقت عليها أخيرا فتنهدت بعمق قبل أن تمسكها من ساعديها لترفع رأسها إليها قائلة بحزم
أنا مش هضربك ولا حتى هحاسبك أنا بس هطلب منك حاجة واحدة عشان أسامحك يا كده يا ما تبجيش بتي من الأساس
التقطت ليلى استجابتها بلهفة تومئ برأسها بالموافقة رغم توجسها الشديد من القادم
فرفعتها مزيونة من ذراعيها حتى أجلستها مقابلة لها ثم ألقت عليها بصرامة
أنا مستعدة أنسى اللي فات بكل أغلاطك فيه من أول ما داريتي عني معرفتك بمعاذ لحد جرسة المرماح واللي حصل فيه بس بشرط إن اللي جاي كله بكلمتي أنا اللي هقرر مستقبلك يا ليلى وانتي اللي عليكي تجولي حاضر مهما كانت صعوبة القرار وأظن إنك عارفاه زين
وكيف لا تعرفه! وهو بمثابة الإعدام لها ومع ذلك لا تملك الاعتراض
وكأنها ملكت قلبا من حجر واصلت مزيونة الطرق على الحديد ساخنا حتى تغلق باب النقاش إلى الأبد
هااا جولتي إيه
بانهيار أشد من السابق ردت ليلى بصوت بح من شدة الحزن
موافقة كل اللي تجولي عليه أنا موافقة بيه
ختمت لتنطلق في موجة أخرى من البكاء بحرقة
لا تملك
الجرأة في مخاطبة حمزة أو شقيقه المتمرد وإن هاتفت منى وسألتها فسوف تتلاعب بها كعادتها كما أنها حانقة وبشدة من زوجة عمها التي تخلت عن وعودها وباعت شقيقتها لصالح امرأة غريبة وابنتها
فكان لا بد أن تجد من تنفث فيه طاقة الغضب التي تحملها داخلها منذ ساعات ومنذ معرفتها بما حدث الأمر الذي قلب الموازين رأسا على عقب ومن أمامها يشاركها مخدعها سوى زوجها الغافل عن كل ما يحدث من مصائب حوله وقد كان عائدا لتوه من الخارج ألقى التحية بروتينية باردة
مساء الخير
مساء النور أخيرا جيت يا خليفة الدنيا تضرب تجلب وإنت كنك في دنيا تانية ومش عايش معانا!
قطب حاجبيه وتوقف عن التوجه نحو المرحاض ليعلق بضجر واستنكار
أعوذ بالله منك ومن خشمك اللي بينقط زفت الفال سعد محدش فهمهالك دي
نزلت من على التخت تقابله في وقفته متحفزة
لاه دي عارفاها من زمان يا خليفة! بس أنا هحكم إنها سعد على أساس إيه! ما أنت لو سمعت عن الجرسة والفضيحة اللي عملها أخوك في ساحة المرماح وعركته اللي اتلم عليها أهل البلد كلهم أكيد كنت فهمت أنا قصدي إيه!
أممم
زام بها بشفتيه باستدراك لمقصدها ثم أردف ببساطة كادت أن تصيبها بذبحة صدرية
يعني إنتي كل عراكك ده عشان معاذ! طب ما هي العركة فضت وولدنا عرف يوقف الواد الصايع ده عند حده بعد ما إداه الطريحة وادبه
سمعت منه لتخرج من نصف حلقها شهقة استنكار وعيناها برزتا للخارج ترددت بعدم استيعاب
يعني إنت كمان على علم يا خليفة! كنت عارف إن أخوك ماشي مع واحدة وبيتعارك عليها في و
وجفي عندك!
قاطعها بها ليردف مشددا برفع سبابته أمام وجهها
غلط في بنت الناس مش هسمحلك ليلى أخويا طالبها بالحلال وحكايته معاها في النور جدامنا كلنا يعني مش في الضلمة عشان يتقال ماشي معاها!
يعني إنت كمان كنت عارف!
قابل صرختها بعدم
اكتراث مؤكدا
أيوه يا ستي كنت عارف حمزة ومعاذ الاتنين مكلميني في الموضوع زي ما أنا عارف إنهم دلوك رايحين لأمها عشان يجيبوا منها الموافقة على الخطوبة رسمي
هل يقصد إصابتها بالجنون لو كان غرضه هذا فهو قد نجح فهيئتها التي توشك على الانهيار كانت بالفعل على شفا ذلك
يعني كل ده بيحصل من ورا ضهري وإنت عارف ومشجعهم كمان! بتداروا علي كأني عدوتكم! وأختي إسراء زينة بنات العيلة كلها أخوك يرفضها علشان واحدة زي دي!
عاد مشددا بنبرة حازمة غير آبه بانهيارها
للمرة التانية بنبهك متغلطيش في البنت اللي اسمها دلوقتي جدام الناس خطيبة أخويا وبكرة هتبجى مراته يعني اللي يمسها يمسنا وبعدين إيه دخل أختك باللي حصل!
توقف متأملا ملامحها المصدومة يستطرد بقصد
دي حاجة اسمها جسمة ونصيب يعني لو ملهاش بخت فيه ربنا يرزقها بالأحسن يبقى الواجب إنها تشيل من دماغها عشان لا الحب ولا الجواز بالعافية ولا الفرض وكل واحد يحافظ على كرامته
في منزل مزيونة كانت الجلسة التي تمت بناء على طلب رسمي للقاء بها بعد حادثة الصباح
لم تحضر منى لتحل محلها والدة ياسين الأخت الأصغر من حمزة والذي خجل بدوره في الحضور مع إصرار مزيونة أن يقتصر الحضور على عدد قليل تجنبا لغضب شقيقها الذي فضلت عدم إعلامه
بالأمر الآن
بدأ معاذ الجلسة مبادرا باعتذاره
أنا بكرر أسفي للمرة الألف يعلم الله إن تصرفي ده ما طلعش غير من غيرة وخوف على ليلى مش أكتر من كده
تلقت اعتذاره بملامح باردة دون أن تبدي أي رد فعل فتدخلت شقيقته الكبرى
معاذ رايد ليلى بالحلال يا مزيونة وتصرفه ده على كد ما هو متسرع بس بصراحة ما نقدرش ننكر إنه جه في وجته عشان يخرص أي حد حب يتطاول بكلمة
تبسمت مزيونة بتسلية رغم حنقها من عفوية المرأة التي لا تجيد انتقاء الكلمات مثل شقيقتها منى ثم جاء رد فعلها حين تلقت لكزة قوية من والدتها التي سارعت لتصلح
لا حد يجدر يتطاول ولا
يتكلم أصلا بصي يا ست مزيونة أنا هاجيبلك من الآخر سيبك من كل اللي حصل وخليكي معانا الموضوع ده جاي من عند ربنا عشان يوفق ما بين العيلتين في بعض إحنا رايدينها ونشيلها بشنطة هدومها واللي إنتي عايزاه إحنا تحت أمرك
سارع معاذ
بإضافة الأهم
تعليم ليلى مش هجصر فيه يا خالة مزيونة ولو على موتي! لو حصلت أذاكرلها بنفسي هاعمل كده المهم إنها تجيب المجموع الكبير وتدخل جامعة محترمة أنا دريان إن ده حلمها وحلمك وحلمي أنا كمان دلوك
خرجت عن صمتها أخيرا بهدوء يثير الدهشة
بس أنا مش هشرك حد في حلمي أنا وبتي يا معاذ لأن الموضوع منتهي أصلا متزعلوش مني يعني أنا جاية من الأول اللي عايز بنتي ينتظرها لحد ما تخلص تعليمها
وقع قرارها كالصاعقة على الثلاثة حتى ألجمهم عن الرد لحظات ثم استوعبتهم حسنية أولا وجادلتها بحرج
أيوه يا بتي بس معلش يعني أنا جصدي
جصدك موضوع الخطوبة لا دي مش مستاهلة تفكير أصلا
تدخلت أم ياسين مستفسرة أمام صمت معاذ الذي أصابته كلمات مزيونة بالدوار
مش مستاهلة تفكير إزاي معلش متزعليش مني يعني ليلى جدام الناس تعتبر مخطوبة رسمي لمعاذ من غير حتى جراية فاتحة ولا شبكة!
لا وهزعل منك ليه
ردت مزيونة ووجهت نظرة حادة نحو معاذ قبل أن تستكمل
إنتي بنفسك جولتي يعتبر وده كلام زي أي كلام نسكت عليه شويةكد خمس تاشر يوم كده وبعدها ننشر إن الخطوبة انفلتت وإحنا برضو حبايب ومفيش أي حاجة وحشة بينا تمنع الجواز لما تخلص تعليمها
أطفأت جذوة الأمل داخله قطعت عليه عشمه بفرحة العمر كيف طاوعها قلبها!
بقلب منفطر تابع حلقة النقاش التي صارت تدار أمامه من والدته وشقيقته أمام مزيونة المتعنتة كالصخر صارت عيناه تبحث عن وليفته يريد منها ولو إشارة واحدة فقط وسوف يفعل المستحيل كيف تتركه يصارع وحده الغرق دون أن تمد له يد المساعدة كيف لها أن تتركه يحارب وحده في معركة تخصهما معا
شاردا في زحمة أفكاره لا يدري أنها داخل غرفتها تكتم صوت بكائها على وسادتها لا تقوى حتى على الاعتراض بعد العهد الذي أخذته عليها والدتها والذي لا يمكن أن تنقضه إلا بالموت
نهض خليفة من جلسته مع شقيقه حمزة ليتلقى والدته التي كانت عائدة من الخارج أجلسها بجواره تلتقط أنفاسها في البداية قبل أن توجه لهما أمرها
حد فيكم يشوف الواد ده مش ناجصين يطينها أكتر ما هي مطينة!
يا ساتر يا رب! إيه اللي حصل وهو معاذ راح فين أصلا ولا أم ياسين إزاي سابوكي ترجعي لوحدك عقب بها حمزة قبل أن يأتيه ردها
أم ياسين وصلناها على بيت جوزها بالعربية أما أنا فوصلني لحد باب البيت وجالي مخنوق وماقدرش أدخل أنا خايفة يعمل حاجة في نفسه بعد ما مزيونة رفضت للمرة التانية جوازه من بتها
وه!
تمتم بها حمزة ليضيف عليه خليفة بدهشة
كيف الجزينة دي ترفض! هي مش دريانة إن خبر الخطوبة بجى مسمع في البلد كلها! هي المرة دي عايزة توجف حال بتها ولا إيه
إيه اللي حصل عاد يا ولدي! مزيونة دي طلعت صعبة جوي!
زفر حمزة يقابل نقد شقيقه ورد والدته بحزن
شديد على الآخر هذه المرأة تفاجئه كل يوم تلك العنيدة كيف ملكت الجرأة لتفعلها تقلب الطاولة فوق رؤوسهم دون أن يرف لها جفن وتحول نقطة ضعفها إلى مركز قوة
نهض فجأة من جوارهما مستأذنا
أنا رايح أشوف الواض فين وأطمن عليه
وغادر تاركا لهما الجلسة التي خيم عليها الحزن على عكس ما كان يحدث عند صنف آخر من البشر تلك التي كانت تستمع إلى حديثهم بقلب يتراقص فرحا تغمرها سعادة بعد رفض
هذا المتمرد لتمتم بشماتة واضحة
أحسن! عشان يعرف قيمة إسراء أختي!
في عتمة الليل وسكونه وقلبها ينزف حزنا على ما قد تم وما فعلته بيدها تنهشها نيران الحيرة لا هي قادرة على التراجع ولا تملك القدرة على المواصلة إن اختارت نفسها واختارته ستخذل أقرب الأشخاص إليها من هي قطعة من روحها وإن استمرت وتشبثت بقرارها فإنها بذلك تكتب شهادة موتها وهي على قيد الحياة ويبدو أن هذا ما تم بالفعل
لم يعد لديها سوى سيل الدموع على وسادتها إنها حتى لا تملك رفاهية البوح بها هذا ما تبقى لها ولكن
صوت صهيل خيل دوى فجأة يصل إلى مسامعها جعلها ترفع رأسها ثم تنهض بلهفة نحو النافذة الخشبية القديمة فتحت شراعها لتفاجأ به فارسها المظفر يعتلي حصانه العربي يدور به
في دائرة صغيرة على مسافة آمنة نسبيا من المنزل
وبدون أن تشعر غلبتها الفرحة بقدومه لتضحك رغم دموعها وعلى غير إرادتها تتخلى عن جمودها فيصل إليه مشهدها كاعتراف غير منطوق يرطب قلبه الملتاع
فيزداد إصراره وتمسكه بها رغم كل ما حدث ويتضاعف التأكيد داخلها هي أيضا بعشقه مجنون ليلى لم يفقد الأمل بعد مجنون ليلى لن يتركها إلا بخروج الروح من جسده كما قال فهي الروح ومن بعدها الموت
استيقظت باكرا لتلحق بنشر مفارش النوم والأغطية على الأحبال المعلقة خلف المنزل أسفل شجرة التين العتيقة في روتين يومي لا تتوقف عنه أبدا لتستفيد من ضوء الشمس وتسبق مجيء الرجال البنائين الذين يأتون للعمل في المنزل المقابل
لتتفاجأ به اليوم جالسا بالقرب منها على المصطبة الطينية لكن متى قد جاء إلى هنا
آسف لو خضيتك يا ست مزيونة بس أنا جاعد هنا من خمسة تقريبا وشكل الوجت سرقني مع الجو الحلو ونسمة الفجر اللي ترد الروح والخضرة تمتم بها نحوها وهو ينهض مستقيما بجسده بعد أن انتبه لفزعها فمن
المؤكد أنها لم تتوقع حضوره في هذا الوقت وبهذا القرب منها
أما عنها فقد ملكت بأسها بعد لحظات لتخاطبه بعدم اهتمام
مفيش داعي للأسف أنا أصلا متخلعتش ولا اتخضيت براحتك يا أبو ريان حتى لو نويت تبيت مكانك إيه اللي يمنع الأرض أرض الله
تبسم بتسلية فقد أعجبه رد فعلها المعاكس ما أجمل صباحها قطة فاتنة شرسة تجيد الهجوم مهما كانت قوة خصمها وحجمه حتي لو
زادت أضعافا عنها
دا من ذوقك طبعا يا أم ليلى أصل أنا بصراحة كنت محتاج اللحظة دي من التأمل والهدوء بعد الخنقة وضيج النفس بسبب موضوع كده طير النوم من عيني
حدجته بنظرة جانبية وهي تنتهي من فرد الفرشة الأخيرة على الحبل لتعقب بكلمات مقتضبة
ربنا يفك كرب كل مخنوق
قالتها وهمت بالذهاب لكنه أوقفها بقوله
ست مزيونة ممكن تجاوبيني على سؤالي
توقفت في استجابة واضحة لسماعه فأردف هو
سامحيني لو هتدخل بس أنا صعبان عليا معاذ عارف إنه غلط وإنت ليكي مطلق الحرية ترفضي أو تجبليه بس أنا جصدي إنه بيحبها يعني ممكن نلاجي حلول لارتباطه بليلى
جاء ردها بحدة أعلى مما سبق
حلول إيه بالضبط مع واحد استغل صغر سنها عشان يلف عجلها واحد محرصش عليها ولا على سمعتها واحد أدى فرصة لعيل صايع يبص لبتي بنظرة مش ولابد ولا يمكن أفتكرها بت سايبة
جطع لسان اللي يجول كده! قاطعها بها ليردف بحمائية
معاذ مسكه ومسح بكرامته التراب
وكانت النتيجة إيه الواد زعق بأعلى صوته عشان يسوء سمعة بنتي
أضافتها عليه لتلجمه قليلا عن الرد فقد أصابت بقولها وهو الأعلم بذلك ثم أردف موضحا
والحمد لله ربنا رد كيده في نحره بعد ما معاذ قضى عليه وأثبت إن ليلى تخصه
أومأت بتحريك رأسها عائدة بسخرية قاتمة
دا على أساس إنه صلح يعني للأسف أنت بتبرر لأخوك وهو بيعمل لمصلحته وفاكر إنه كده هيجبرني رغم إنك عارف إن الغلط من ساسه لراسه ومش أنا وبتي اللي هنشيل ذنب مش ذنبنا
أنهت عبارتها واستدارت عائدة لمنزلها غير عابئة بغضبه وما إن خطت خطوتين حتى أوقفها للمرة الثانية
بس الحب مش ذنب يا ست مزيونة
صدحت كلماته تخترق أسماعها بقوة لتلتف إليه تواجه شرار عينيه بعينين متحديتين تقارعه
فعلا الحب مش ذنب لكن الأنانية هي اللي ذنب وللأسف الأنانية طبع متأصل في الرجال
يرى جيدا من حدتها أنه المقصود وليس شقيقه فقط ليكظم غضبه بصعوبة نحوها متسائلا
حكمتي على كل الرجالة إنهم أنانيين طب بناء على إيه إنتي شفتي مين في الدنيا دي أساسا غير طليقك الله يجحمه مطرح ما هو قاعد إنك تحطي معاذ في كفة واحدة مع عرفان دا الظلم بعينه
حلت ابتسامة ضعيفة على زاوية فمها تنم عن سخرية واضحة تريد الانتقام ولو حتى بالكلمات لتجفله بقولها
ومين جالك إني حاطة معاذ بس في الكفة مع عرفان
برقت عينيه فجأة باستدراك متيقنا أن اللعب بينهما أصبح مكشوفا ومفهوما من الطرفين ليرد على سؤالها بسؤال
يعني جصدك إن أنا كمان حطاني معاهم في نفس الكفة!
تكلفت بابتسامة مراوغة تجيبه
ومين جاب سيرتك بس يا أبو ريان أنا جصدي على صنف الرجالة كلهم متزعلش مني يعني عن إذنك
والتفتت مغادرة من أمامه فلم يوقفها مرة أخرى إنها غاضبة منه أكثر من شقيقه وهو ليس بالغباء الذي يجعله يغفل عن الرسائل التي ألقتها في وجهه تغلق الباب أمامه حتى تمنع عنه الأمل أو التفكير كم كان خاطئا حين ظنها لا تعي عشقه الصامت لا يستبعد الآن أنها تحمل نفس المشاعر ولكن قلبها القاسي يصر على دفن نفسها بالحياة ودفنه أيضا
وفي مشفى المحافظة كانت صفا محتجزة بإحدى غرفها لتلقي العلاج والعناية المركزة لتلك الجروح والكسور التي أصابتها في أجزاء عدة من جسدها كالكسور المضاعفة في الذراع الأيمن وإصابة شديدة بالرأس ووجه اختفت ملامحه
من كثرة الكدمات والانتفاخات حتى صوتها حين تتوجع كان يخرج بصعوبة
آااااه يا أمه جسمي كله اتدشدش يا ناس مبقاش فيه حتة واحدة سليمة منك لله يا عرفان منك لله!
مصمصت المرأة شفتيها تعقب بحنق
أيوه يا أختي ادعي عليه على الله بس تثبتي على رأيك وما ترجعيش تحني تاني وتنسي كرامتك كالعادة!
سمعتها لتردد بقهر ووجع
حرام عليكي يا أمه هو أنا حمل تجطيم دلوك بتك
اللي لولا الحكومة نجدتها يعني لولا رحمة ربنا كان زماني دلوك ميتة ولا في الإنعاش ده كان بيضرب فيا بغل السنين! حسبي الله ونعم الوكيل فيه أنا أذيته في إيه بس
طالعتها والدتها بذهول وعدم استيعاب لتعلق ساخرة
أيوه صح عندك حق! انتي عملتي إيه يعني غيرش بس علجتيه بيكي وكرهتيه في مرته الأولى هو حمار ما بيفهمش يا بتي
تنهدت من العمق تتابع بجدية
ياما نصحتك زمان وانتي ما سمعتيش الكلام جولتلك الرجالة
كتير ما وقفتش عليه هو وبس لكنك كنت ماشية زي العمية ورا خالتك اللي كارهة مرته طب أهو لف الزمن وانجلب السحر عليكي! هتعملي إيه دلوك هترجعي ولا هتطلجي ولا إيه ظروفك
ضربت الحيرة رأس صفا لا تنكر أنها تريده رغم كل ما أحدثه بها من إصابات ولكنها تخشى غدره فهي الأعلم بطبيعته القاسية حتى إن تنازلت عن حقها لن يغفر لها ولن يتوانى عن إذلالها وكسر نفسها فهذا عرفان ابن خالتها الذي تعرفه أكثر من أبنائها
وفي منزل منى وقد أنهت مكالمتها الهاتفية منذ لحظات ليصيبها حزن تجلت معالمه على وجهها حتى أثار انتباه زوجها الذي كان يساعد أبناءه في استذكار دروسهم بجوارها في صالة الاستقبال
راقب شرودها للحظات وحين استبد به القلق تركهم وجلس بجوارها على الأريكة ليستفسر منها مباشرة
إيه الحكاية حد بلغك بخبر عفش في التلفون
أومأت بتنهيدة خافتة تخبره
مش خبر واحد للأسف دي أخبار!
اللي أتوقعتة وكنت خايفة منه حصلو أكتر كمان حركة معاذ جلبت مع مزيونة بعند والنتيجة دلوك إنها اتجفلت من كل النواحي عليه وعلى ليلى وعلى أخوه اللي ملوش ذنب كمان
حمزة تمتم بالاسم بفراسه منه لتردف هي مؤكدة
للأسف اتضح له إن مزيونة فاهمة وحاسة لكن عند نفسها خلاها تجلب عليه هو كمان على أساس إن ليه مصلحة في اللي بيحصل مش بقولك اتعجدت من كله!
زم بتفهم وابتسامة صغيرة ارتسمت بثغره رغما عنه معقبا
عشان زكية خسارة والله واحدة زي دي ما كملتش تعليمها على الأقل كانت
تبقى مناسبة أكتر لحمزة اللي متعلم تعليم جامعي
يا خويا بس ترضى! هو راضي بيها حتى لو جاهلة بس هي تحن وترضى
ضحك منصور ليخفف عنها
الصبر يا ست منى محدش عارف بكرة ربنا كاتب إيه
ببعض الاقتناع والارتياح رددت خلفه
ونعم بالله
أما عنها فقد كسى الحزن ملامحها جاهدت ألا تظهر ذلك أمام والدتها ظنا منها أنها قد تنجح لكن لم يحدث حتى محاولات صديقتيها سمر ونسرين لصرفها عن التفكير بدمجها معهما في الدراسة أو المزاح ولكن لم تفلح أي طريقة معهما
هي مصرة على الوفاء بوعدها لوالدتها وعدم نكث العهد ولكن أين تجد الإرادة للاستمرار والمضي قدما بدونه لا تعلم
ليلى عرفان موجودة هنا يا بنات ليلى عرفان
جاء صوت النداء من مدخل الفصل الدراسي المتواجدة بداخلة أثناء إحدى الحصص لتنتبه إليه مع رد المعلمة نحو تلك السيدة من عاملات المدرسة
أيوه ليلى قاعدة هنا مالك بيها يا عطيات
جاءت الإجابة من المرأة لتسرق انتباه الجميع نحوها
خطيبها عايزها في غرفة وكيل المدرسة!
برقت مرددة خلفها
خطيبي!
بعد قليل كانت أمام غرفة الوكيل برهبة تملكتها لتفاجأ به أمامها هو بشخصه جالسا مقابل مكتب الوكيل الذي تلقاها مرحبا قبل أن يترك الغرفة لهما
أهلا يا ليلى يا بنتي اتفضلي أنا هروح أجيبلي كوباية شاي وراجعلكم
خطت بأقدامها نحو الداخل بتساؤل غير منطوق تناظر ملامحه الباهتة ليس هذا معاذ الذي تعرفه طاقة الحب والجنون معا الحيوية في أبهى معالمها حل محلها تعاسة تجلت في نبرة صوته وهو يخاطبها
عاملة إيه معلش سامحيني لو اضطريت أستغل الصفة الوهمية دي النهاردة يعني اعتبريها من نفسي قبل ما الست الوالدة تنفذ اللي في مخها وتعلن فسخ الخطوبة اللي محصلتش أصلا
غامت عينيها بدمعة تحتجزها بصعوبة تسأله بجفاء تتصنعه
جايلي المدرسة ليه يا معاذ
ابتلع غصته ليجيب بصوت مبحوح
عشان مش هجدر أشوفك برا تاني ولا هوجفك عشان أكلمك وأسألك أنا خلاص عرفت الإجابة ومفيش داعي أزود أو أجيبلك الكلام
أردف بعد فترة من الصمت
أنا مسافر أسيوط أستلم شغلي يا ليلى الخطوة دي بقالي أسابيع مأجلها وأهي فرصة عشان ألاجي حاجة أحط همي فيها هي شركة مقاولات تخص واحد من أصحاب حمزة مقرها في أسيوط بس شغلها والمشاريع كلها تقريبا في القاهرة
يعني هتسافر تعيش في القاهرة
أومأ بإجابة مقتضبة
مشاريع كبيرة أهي تكفي سنين الانتظار على ما تخلصي تعليمك كنت هموت لو سافرت من غير ما أشوفك للمرة التانية بقولك سامحيني
سالت دمعة تحرق عينيها لتردد بعدم استيعاب
أسامحك على إيه بالضبط انت بتقول هتبعد بالسنين يعني هتنشغل عني ومش هشوفك تاني هو أنا فعلا مش هشوفك تاني يا معاذ
كيف يخبرها أن بعده عنها بمثابة اقتلاع قلبه ولكن ما باليد حيلة
أكيد هشوفك لو جيت أجازة زيارة هنه لكن مش هكدب عليكي أنا شايف البعد أسلم على الأقل أرحم الجميع من جناني ودلوك دلوك لازم أمشي مينفعش أستنى أكتر من كده هتوحشيني يا ليلى
قالها وهو يجبر قدميه على التحرك والمغادرة كم ود لو احتضنها لو طمأنها بإلغاء قراره لكن لا فائدة من الرجوع سوى زيادة عذابه إذا لابد من تنفيذ القرار
وغادر من أمامها ولم يلتفت حتى وراءه كي لا يضعف أمام دموعها التي انطلقت دون
توقف حتى سقطت على المقعد خلفها بانهيار
حين
عادت إلى منزلها لم تكن بحالة تتيح لها حتى التصنع تسير أمام والدتها كالأموات وكأن بابتعاده عنها روحها أيضا قد تركت جسدها وذهبت
تم نسخ الرابط