لأجلها بقلم أمل نصر بنت الجنوب ج٢ من الفصول

لمحة نيوز

كلما همت أن تطوي الصفحة انتفضت السطور القديمة تصرخ فيها بأسماء الألم
وكلما شدت الرحيل مد ماضيها يده من العتمة يمسكها كما يمسك السرطان بقلب الحياة.
تحاول النسيان تقنع قلبها أن الحياة تمضي
لكن الماضي بارع في التمثيل يتزين بثوب الفرصة الثانية
ويخفي أنيابه خلف وعود ناعمة... ملساء كالسم.
هي لا تهرب بل تنجو.
تتخبط بين عقل يعرف الحقيقة وقلب يخذلها كلما نظرت في عيني ابنتها.
تريد أن تقف... أن تقول انتهى
لكن النهاية ليست لها بل لمن يملك الكارت الذهبي طفلتها.
أما هو...
فلم يكن يوما وطنا بل كان منفى.
وهي اليوم بين المنفى والمنفى
تبحث عن قطعة أرض لا يطالها الخراب.
المراجعة والخاطرة للجميلة بزيادة اوي سنا_الفردوس 
.................................
الفصل الحادي عشر
ثلاثة أيام مرت عليه في بناء المنزل المجاور لمنزلها رجال يعملون دون توقف حتى أنجزوا جزءا لا بأس به من الأساس وبعض الحوائط تم بناء نصفها. يمر يوميا صباحا ومساء لمباشرة العمل وكي يتخذها حجة للقاءها أو حتى رؤيتها ولكن هذا لم يحدث سوى مرة أو مرتين بصعوبة مرة حين أبصرها وهي تلقي شيئا ما من فوق سطح المنزل ومرة أخرى وهي تودع إحدى النساء من أقاربها. وفي المرتين لم تعجبه لم ير بها شعاع التحدي وتلك العزة التي تميزها. هناك خطب ما لا يعلمه.
حتى ليلى الجميلة الصغيرة حين تمر عليه أثناء ذهابها للمدرسة أو دروسها بعد ذلك ملامحها منطفئة فاقدة للإشراق الذي عرفها به. كم ود أن يحادثهما مباشرة ليعرف السبب. حتى وصفي مختف هو الآخر في عمله خارج المحافظة. تقتله الحيرة وتطيح الظنون برأسه وإن تحدث عما يقلقه مع شقيقه الذي يعنيه الأمر هو الآخر لا يضمن رد فعله المتهور الذي قد يفسد كل شيء.
لذلك قرر اليوم استخدام عقله بشيء مختلف ربما يأتي بنتيجة حجة تمكنه من طرق باب المنزل بعذر حقيقي.
فتح باب المنزل الحاجز بينها وبينه ليملي عينيه بالملامح الفاتنة فور أن أطلت أمامه.
صباح الخير عاملة إيه يا ست مزيونة ألقى التحية قبل أن يردف أمام عينيها المتسائلة دا ريان ابني على فكرة.
أشرقت فور أن علمت بصفة الصغير ليفتر ثغرها بابتسامة غابت عنها لأيام ترحب به يا أهلا بريان باشا بسم الله ما شاء الله عليه دا راجل كبير أها! ليه بتقول عليه صغير
تبسم بملء فمه وهو يراقبها تضم صغيره إليها وتقبله دخل في قلبه شعور بالسعادة حاول السيطرة عليه حتى استعاد اتزانه بنبرة جعلها عادية في مخاطبتها آسف لو خبطت من غير استئذان بس أنا باستأذنك تخليه معاكم النص ساعة دي على ما أخلص مع الرجالة اللي شغالة بره وآخده وأروح بيه. المنطجة جديدة عليه ومفيش حد من سنه يلعب معاه..
همت أن تجيبه بالموافقة ولكن سبقها الصغير بقوله ما أنا بقولك أشتغل معاهم إنت اللي مش راضي فاكرني صغير.
اتسعت ابتسامتها ردا على ذاك المشاغب الصغير يا بوي ما أنا بقول كبير وراجل! بس مفيش مانع لما تآنسنا وتشرفنا يا أستاذ ريان في بيتنا المتواضع ولا إيه رأيك
طفا على وجه الصغير بعض الخجل ليثير دهشتها في موافقته بإيماءة من رأسه فهتفت منادية لابنتها بت يا ليلى تعالي هنا.
أتت الأخيرة على النداء تقابل ريان ووالده مهللة ببشاشة عم حمزة! ومين العسل اللي معاك ده والله إنت اللي عسل يا بنيتي. تمتم بها حمزة قبل أن يأتي الرد من والدتها ده ولده ريان يا ليلى جاي مشرفنا النهارده شوية إيه رأيك بجي
وه دا يآنس ويشرف طبعا وإن ما شلتوش الأرض
تشيله عنينا.
وهكذا كان ردها في سحب ريان من يده لدخول المنزل فتيبست قدماه هو عن الذهاب ليتحمحم يجلي حلقه قائلا كنت عايز أسألك لو الأصوات أو الرجالة حد ضايقك فيهم أنا مش هتهاون مع أي حد.
نفثت معبرة عن امتنانها لا والله ما في حد فيهم اتجرأ ولا بص حتى. دا عم مغاوري كبير الغفر جاعد فوق راسهم زي الددبان تسمع غير زعيجه فيهم. رغم إني لما اتعاملت معاه مباشر امبارح وأنا طالعة أجيب خضار كان في منتهى الزوق والاحترام وهو بيحلف عليا ويصر إني أرتاح وخد مني الفلوس وبعت حد من العيال اللي شغالين معاه راح هو واشترالي اللي عايزاه بصراحة راجل محترم الله يبارك له.
اجتاح حمزة شيء من الفخر نتيجة كلماتها يغمره الارتياح لاختياره المميز لرئيس عماله في الأرض أن يكون هنا ويتحمل المسؤولية في حمايتها ورعايتها هي وابنتها بصورة غير مباشرة. ولكن فرحته كانت منقوصة بذلك الحزن الذي يراه ساكنا بعينيها إنت في حاجة مضايجاكي يا ست مزيونة
حركت رأسها بنفي سريع لاه ليه بتجول كده بجول كده عشان شايف بعيني دي مش طبيعتك أبدا وآسف يعني لو بدخل.
طرقت برأسها بصمت جعله يفهم أنها لا تريد الإجابة ليضطر للاستئذان وداخله يقسم على معرفة السبب الذي أدى بها إلى ذلك. لهذا لم يكن غريبا أن يهاتف شقيقها فور أن ابتعد عن المنزل أيوة يا وصفي إنت جاعد فين نعم يعني جاعد في بيتك دلوك... راجع من الشغل طب استناني جايلك حالا. أنا عايز أشوفك النهارده ضروري.
...............
في منزل عرفان حيث صفا التي تعمل في تنظيف منزله بغل يجعلها تفتعل الإزعاج عن قصد فكانت تدور كالنحلة حوله وهو جالس في هذا الوقت يدخن أرجيلته ببرود وتجاهل ينفث الدخان في الهواء غير عابئ بها ولا بالنيران التي تحرق أحشائها منذ ثلاثة أيام منذ معرفتها بالعرض الذي عرضه بشهادة الأربعة رجال حتى يلين رأس الملعونة غريمتها. قلبها يسقط أسفل قدميها كلما راودها هاجس موافقتها والعودة إلى عصمته. سوف تكون سيدة الدار هذه المرة سترد ما ظلت تفعله
بها هي وابنتها على مدار سنوات. يا إلهي إنه أسوأ كوابيسها... أن تعود لتلك النقطة السوداء.
أن تفتعل جريمة خير لها من أن يحدث ذلك حتى لو اضطرت لقتلها...
دوى صوت تهشيم الزجاج الذي تحطم بين يديها ليسقط أسفلها على الأرض بصورة أجفلت عرفان وجعلته يتخلى عن بروده في أن ينهرها الله يخرب مطنك يا بعيدة! خيبتي يا مرة إنت تكسري جزاز النيش دا لو عيل من عيالك اللي عملها ما حد كان جاب صوتك دلوك.
دنت تميل نحو الكاسات المتناثرة على الأرض وتلملمها تبرر فعلها بهدوء مستفز باب النيش اتقلع في يدي وأنا بمسحه وطيح الكام كاسة دول من غير جصد حاجة مش مستاهلة أعصب عليها نفسي أصلا.
وووه... تمتم بها بذهول يضع كفا فوق الآخر مردفا اسم الله على العجل والكمال طب ربنا يديمها عليكي يا أختي بس أنا مش هدفع ولا مليم في تصليحه واللي كسر حاجة يتكفل هو بيها بلا جرف!
ختم كلماته ليعود إلى جلسته الأولى في تدخين الأرجيلة ينفث بها غضبه أما هي فقد فاض بها لتترك كل شيء من يدها وتندفع إليه بسؤالها
طب أنا عايزة أتأكد من الأخبار اللي وصلتني ولا ريح جلبي وكدبها أحسن... إنت صحيح ناوي تردها بالوعود اللي سمعتها ولا هو تأليف من الناس بيزودوا وينجصوا فيه من عندهم عشان
يفرسوني إنت لا يمكن تبقى مغفل
كده!
مغفل غمغم بها محدثا نفسه ثم رفع عينيه بعدها إليها بوهج الخطر مردفا لا صدجي يا صفا أنا راجل مغفل وجابل أكون مغفل ولو إنت مش عاجبك تبقي مرة المغفل يبقى لمي عيالك وهدومك وغوري وسيبيه الباب مفتوح على آخره.
اهتزت في وقفتها وكأنها ضربت بمطرقة حديد على رأسها لا تستوعب سهولة نطقه لها. أيعقل أن يستغني عنها بحق ألم هدومي وأمشي أنا وعيالي يا عرفان للدرجادي إنت بايع وأنا اللي من يوم ما اتجوزتك جايدة صوابعي العشرة شمع! جالك جلب يا عرفان...
يوه... لفظ بها مقاطعا نحيبها يلقي بالأرجيلة أرضا ليضاعف من صدمتها جايدة في صوابعك ولا في يدك حتى! أنا جيبتلك النهاية وإنت ليك القرار... بلا وجع دماغ!
توقف برهة قبل أن يغادر يطالعها بنظرة غامضة مردفا بس الحق يتجال أنا نفسي مستغرب شوقي اللي جد فجأة لمزيونة بعد سنين كتير كنت مدفي فيهم في حضنك سايبها ومش شايفها أصلا رغم إني متجوزها وأنا ميت عليها من الأساس. طب إيه اللي كان عامي عنيا تفتكري... يكونش كان مسحورلي!
صفعها بالأخيرة لتبرق عيناها نحوه وكأنه وجه اتهاما مباشرا إليها. عيناه تناظرانها بتحد في انتظار نفي أو تكذيب يضحض كل ظنونه. ولكن للأسف ذلك الهلع الذي ارتسم جليا على ملامحها ضاعف من الشكوك داخله. لينتفض في الأخير تاركا إياها وتسقط هي بثقلها جالسة على الأرض الرخامية وقد خارت قواها ولم تعد قدماها تساعدانها على الوقوف.
...............................
بتجول إيه عرفان مين دا اللي يردها من تاني إنت واعي للكلام اللي بتجوله من أساسه
هتف بها بغضب أخرق نزع عنه صفة الحرص التي يتبعها دائما والرزانة في تحليل أمر من المفترض ألا يخصه بعد سماع حديث وصفي والذي عقب هو الآخر ببعض العتب
وه خبر إيه يا حمزة يعني هكون شارب مثلا ولا متعاطي أنا بجولك على اللي حصل عرفان لم الرجالة يشهدهم ويخرصني ويخرص أي حد بكلامه المترتب الراجل جه وراصصهم دي مزيونة اللي كانت هتهب فيه في أول الكلام هي نفسها اتبرجلت رغم إني عارف إنها مش بتطيجه لكن متأكد برضه إن لأجل مصلحة بتها ممكن ترمي نفسها في النار.
ارتجف قلبه من الداخل أيعقل أنها بالفعل تفكر في العودة أن تكون قد بلعت الطعم من هذا الماكر اللعنة الآن قد يجزم أن عاطفتها القوية نحو ابنتها قد تقودها للهلاك.
طب أنا عايز أعرف دلوك هي وافجت ولا لسه بتفكر وعندها نية... للموافقة
وجه سؤاله بحسم نحو وصفي والذي أجابه بتشتت هو الآخر
بصراحة معرفش لأنها ساكتة وبتفكر من يومها مسكينة الحيرة واكلاها ما بين مصلحة بتها والعيشة مع واحد كارهاه بقالها سنين.
انتفض حمزة ناهضا من جواره بثبات يحسد عليه رغم العواصف التي تضربه من الداخل توشك أن تجعله يخر راكعا من أجلها حتى لا تفعلها وتقضي عليها وعليه ولكن ما الفائدة والآخر يملك الكارت الذهبي... وهو ابنتها. أما هو فماذا
رايح فين ما إنت جتعد
تحمحم يجيب وصفي بنبرة عادية أتقنها
ورايا مشوار مهم للمديرية في قنا عايز أخلصه بدري بس قبله هروح أطل على الرجالة والشغل عشان أروح ولدي كمان أسيبك إنت ترتاح ونتلاجي العشية إن شاء الله عن إذنك بجى.
............................
أما عنها وقد كانت تتابع الصغير في هذا الوقت ومشاكسته مع ابنتها التي غمرها الفرح بوجود من يؤنس وحدتها اليوم. لطالما تمنت أن تنجب أشقاء لها بعيدا عن أولاد صفا التي تكرهها وكرهت الأطفال بها.
طفلتها
الوحيدة التي تحارب الدنيا بمن فيها من أجلها تقتلها الحيرة منذ أيام من أجلها أيضا. عرفان الذي قدم عرضه فاتحا صفحة جديدة أمامها لمستقبل ابنتها التي تتمنى رفعتها ولو على حساب كرامتها وعمرها أيضا ولكن...
عادت تشرد في حديثه تستعيد كل حرف دار في تلك الجلسة حينما صرخت به
يعني إيه القانون في صفك هو إنت تعمل ما بدالك وتقول إن القانون في صفك! أنت من ساعة ما طلجتني أديلنا شهور سألت ولا حتى شوفت اللي ناجصها رغم إنك عارف تعليمها ومصاريفها اللي بالآلفات دلوك افتكرت إنها بتك هو إنت كنت أب ليها وأنا على ذمتك عشان تبجى وأنا مطلجة منك
كان انفعالها يبلغ أقصاه هذا المتبجح يساومها على ابنتها وكأنه يقتلها بدم
بارد ليظل على صمته وهدوئه متابعا همهمات الرجال ومحاولاتهم تهدئتها
اهدي يا خيتي ليجرالك حاجة بتك ملهاش غيرك زي ما جولتي.
اسمعي كلام أخوكي يا مزيونة العصبية الشديدة دي غلط عليكي يا بتي.
يعني إنت عاجبك يا شيخ خميس إنه جاي يستغل موجف زي ده وحاجة مش في يدي عاجبك يا عم جاد عاجبك يا أستاذ نعيم
في هذه اللحظة تحدث عرفان يصدم الجميع بكلماته
أنا مش جاي أستغل ولا أنبك أنا جاي أتصرف بناء على اللي تم وحصل أب وخايف على بته يا ناس. زي ما إنتي جلبك طاوعك تطلعي السلاح على ابن الفرطوس اللي كان جاي يتهجم على البيت أنا كمان جلبي واكلني من ساعة ما عرفت وأنا لا على حامي ولا على بارد مكتش سائل في البت عندك حق. اعتبريني كنت غفلان ولا معمي بغضبي منك. لكن دلوك لاه بعد اللي حصل لاه بتي لازم تبات في حضني يا مزيونة أنا مش هستنى لما تحصل مصيبة.
توقف برهة عن متابعة خطبته العصماء يراقب رد فعلها والهلع الذي غامت به ملامحها صدرها الذي يصعد ويهبط بتسارع يثير تسليته ليردف بعرضه ولهجة ناعمة ورزينة لا تليق به
عشان أختصر عليكي وعليا يا بت الناس أنا جايب الرجالة دلوك أشهدهم جدامك بنتي هدخلها أعلى الكليات وكل اللي تعوزه من مصاريف لمدرستها أو لدروسها عليا لا هجوزها صغيرة ولا هجبرها على أي حاجة مش عجباها. بس إيه بجى وهي في حضني بين أبوها وأمها... أنا كنت جوزك وهفضل أبو بتك يا مزيونة وإن كان تم طلاج ما بينا فسهل جوي نرجع من تاني إحنا مش أول ولا أخر ناس وليكي عليا إثبات لحسن النية مهر جديد وشبكة جديدة وحساب في البنك تضمني بيه تعليم بتك من بكرة حتى لو أنا رجعت في كلامي. إيه رأيك بجى أنا كده عداني العيب يا جماعة.
عادت من شرودها تنفض رأسها من تلك الأفكار التي تحتلها تريد الراحة والوصول لقرار سليم تضع مصلحة ابنتها قبل كل شيء. لقد احتملت التهميش والذل لعدد من السنوات في منزله من أجلها ولكن الأمر هذه المرة يخالف كل ما سبق هذه المرة يريدها بالفعل ترى الرغبة في عينيه بوضوح.
قبل ذلك كان المرض حجتها كما أن صفا لم تقصر في إبعاده بكل الطرق وهذا ما كان يريحها رغم بغضها لأفعالها.
أما الآن وقد وعت على غرضه الأساسي من عودتها إليه كيف لها أن تحتمل معاشرة رجل مثله رجل تقوده غرائزه ولا يعرف معنى الرحمة في ذلك إذن ماذا تفعل وهي مخيرة بين مستقبل ابنتها وبين دفن نفسها مع رجل تكرهه وإن صممت على رأيها لن يتوقف عن تهديدها
وربما اتخذ حجة البيت القديم ذريعة أمام المحكمة ليضم صغيرتها إليه
اللعنة إن حدث ذلك!
استفاقت من شرودها على صوت حمحمة رجالية خشنة أصبحت تعلم صاحبها حتى قبل أن يصدر صوته
واد يا ريان.
سمع الصغير صوت والده فانطلق على الفور كي يتلاقاه عند مدخل المنزل
أيوة يا بوي أنا جيت أها.
استنى يا ريااا...
قطعت بخجل حينما انفتح الباب فجأة وظهرت بشعرها المنطلق أمام عينيه المتفرسة قبل أن ترمي عليه طرحتها مما أثار في قلبه مرحا أخفاه في ضيق زائف يوبخ ابنه بلطمة خفيفة على رأسه من الخلف
مش تخلي عندك ذوق يا حمار دي عمايل رجالة ياض
خرجت إليه وقد أحكمت حجاب رأسها تدافع عن الصغير
لاه عاد ريان عسل متجولش عليه حمار. بس هو المرة الجاية هياخد باله وميفتحش غير لما يطمن إن الحريم مغطين راسهم صح يا ريان
أومأ الأخير بطاعة
صح يا خالة مزيونة.
على قدر سعادته بقولها وبعلاقة الحب السريعة بينها وبين طفله على قدر خوفه من تبخر أحلامه في الهواء حتى عبر عما يعتريه من توجس مرددا
يعني إنتي واثقة إنه هيكون في مرة جاية ولا هو كلام مرسل وفي يوم وليلة نتفاجئ إن البيت رجع مهجور من تاني
ذوتت ما بين حاجبيها قليلا بتساؤل جعله يردف موضحا
أنا كت مع وصفي من شوية وعرفت منه عن عرض عرفان اللي عايز يردك ليه من تاني.
أومأت صامتة بحرج شديد غير قادرة على مواجهة عينيه لتضاعف من ظنونه والهواجس التي تكتسحها.
أم ليلى أنا بسألك على فكرة... هو إنت صح ناوية ترجعي للراجل ده
أيضا لم تجبه أو هي بالأصح تبحث عن إجابة. ثقل ما تشعر به الآن أمام هذا الرجل كحمل الأحجار فوق الصدر ولماذا معه هو فقط تكتنفها تلك المشاعر لا تعلم. ليته ما عرف.
آآآ...
حاولت إجلاء صوتها والسيطرة على توترها لتردف وهي تجمع الكلمات بصعوبة
أنا لسه بفكر وأشوف يعني اللي فيه المصلحة ليا أنا وبتي.
مصلحة إيه وهو في أصلا مصلحة مع الراجل العفش ده عرفان ده اللي...
توقفت الكلمات في حلقه فور أن وقعت عينيه على ليلى التي وقفت بالقرب تتابعهم وحيرة رسمت الهم بوضوح على ملامحها البريئة. إن استمر وأخرج ما بصدره سيصبح أمام نفسه رجلا ندلا لذلك لم يجد أمامه سوى الانسحاب يجر أقدامه بصعوبة يتظاهر بالقوة وداخله على وشك الوقوع بلمسة. كيف السبيل أمام هذا الأمر الجلل
....................................
في منزل حماد القناوي
وقد استبد الفضول بهالة وهي تراقب عبر الشرفة الأمامية لمدخل المنزل الجلسة التي تجمع حسنية بابنتها المميزة منى ومعاذ في ركن ما من الحديقة.
يجتاحها الشك بأن أمرا ما يدبر خلف ظهرها وهذا التكتم يجعلها على وشك الجنون. حاولت عدة مرات استدراج حسنية ولكن الأخيرة كانت تتحفها بردود عادية لا تصدقها. حتى حينما تفرض نفسها وتجلس معهم يتوقف الحديث وينهض معاذ بجلافة واضحة حتى يحرجها ومنى تلك المتلونة التي تتلاعب بالكلمات كي تزيد
من جنونها. ولكن إلى متى لا بد أن تعرف ستموت قهرا إن لم تصل إلى الحقيقة في أقرب وقت. إذا لن تتوقف عن المحاولة حتى لو وصلت لقراءة حركة الشفاه كما تفعل الآن بتركيز تام حتى حينما وصل إلى مسامعها صوت من يناديها
هالة
أمم
تعالي شوفي بتك دي يا ست البرنسيسة هاااله!
جاءت الأخيرة دفعة تفيقها من شرودها لتفاجأ بزوجها يلقي بكراسة الأنشطة المدرسية أمام عينيها فوق سطح سور الشرفة مردفا كازا على أسنانه
اتفضلي يا مدام كراسة البت. حلي معاها الواجب وذاكريلها بدل ما إنتي جاعدة متنحة في خلق الله...
خبر إيه
انتفضت بخوف من هيئته لتتناول الكراسة وتحتضنها وتجذب يد ابنتها منه
حاضر يا خليفة ما هي ما جتش ولا جالتلي.
وهي لا جياكي عشان تجولك ولا إنتي أصلا فاضيالها عشان تعسي وتشوفي بنفسك مذاكرتها ومذاكرة إخواتها دي بطت حاجة تخنق!
أنهى توبيخه والتف مغادرا دون انتظار تبرير منها وكأنه قد سئم وحفظ كل الحجج التي تأتي بها لتزفر في أثره بضيق ثم تتحرك ساحبة ابنتها بعنف
تعالي يا آخرة صبري ما أنا عارفة إن الشجا معاكم ما بيخلصش أبدا... تعالي يا بت.
اقتربت بها إلى أحد المقاعد لتجلسها أمامها وتبدأ مساعدتها في حل المسائل. اندمجت معها لبعض الوقت حتى انتبهت إلى قدوم حمزة ابن عمها وولده مترجلين من السيارة فنهضت لاستقبال الطفل في حين غير والده طريقه متجها إلى الطاولة التي تضم والدته وشقيقيه ليشاركهم الحديث السري على ما يبدو أمام ناظريها.
رياااان حبيب عمتو هالة! عانقت الطفل وقبلته عدة مرات على وجنتيه رغم خجله منها ثم سحبته معها حتى أجلسته بجوار ابنتها لتبدأ في استدراجه
هااا جولي بجى يا بطل... إيه رأيك في بيت أبوك اللي بيبنيه حلو زي بيتنا كده ولا عفش بحماس طفولي أجابها ريان
طبعا حلو جوي أمال إيه ووااااسع وحواليه سور كبير الرجالة خلصوا نصه في البنا!
سور كبير وواسع على العموم مهما كبر مش هيبقى زي بيتنا ده... ده بيت العيلة! وأنت أصلا مش هتسيبنا ولا هتخلي أبوك كمان يسيبنا... صح ولا لاه يا ريان
أومأ برأسه يراضيها غافلا بعقله الصغير أنها تتحدث بإصرار حقيقي وسرعان ما استدركت حالتها فغيرت دفة الحديث بمزاحها
كل الوقت ده جضيته عند العمال والرجالة كنت بتلعب في الزرع ولا بترفع الجصعا معاهم
والله يا عمتي هالة كنت عايز أرفع الجصعا محملة بالإسمنت وابني معاهم بس أبويا مرضيش! جالي هتوسخ هدومك وراح واخدني من يدي ووداني عند خالتي مزيونة قعدت ألعب معاهم هي وليلى واتغديت معاهم وكلت تين ونبق و...
استنى!
هتفت بها توقف استرسال الصغير واندفاعه غير منتبه لعينيها التي جحظت وقد بدأت الخيوط تتجمع في رأسها
هي خالتك مزيونة دي... جدتك زارتها جريب مع أبوك صح
صح.
وساكنة لوحدها ولا معاها ناس تانية
لا مفيش حد معاهم والمنطجة كلها مفيهاش غير بيتهم.
آااااه...
تمتمت بها لتأخذ قرارها على الفور. توجهت نحو ابنتها بعجالة وأعطتها الكراسة في يدها
خدي يا بت كراستك دي واطلعي استنيني فوج يلا أنا هحصلك مش هعوج... يلا!
تذمرت الصغيرة من دفعها ولكنها في النهاية استجابت لأمرها خوفا منها. وفور أن خلى المكان منها تفاجأ ريان بسحبها إياه تقربه منها هامسة
عايزاك دلوك يا حبيبي تحكيلي كل اللي حصل في مشوارك ده من ساعة ما رجلك حطت هناك لحد ما جيت هنه...
....................................
وعلى الطاولة التي كانت تجمع الأربعة وقد جلس بعد دعوة تلقاها من والدته لينضم إليهم في ذلك النقاش الذي لم ينته حتى الآن. كانت محاولات بائسة من المرأة لإقناع صاحب الرأس اليابس وقد كانا يتجادلان في هذا الوقت وحلقة من النقاش المستمر تشترك فيها منى بالمزاح في معظم الأوقات أما هو فكان الصمت رفيقه.
شوفي يا يما مهما تحاولي وتعملي المستحيل معايا إنتي عارفة وكل الناس عارفة إن مفيش حاجة هتمشي غير اللي في مخي... صح ولا لاه يا حجة حسنية
يووووه! ما تحضرينا يا زفتة إنتي يالي جاعدة غير تضحكي وتتمقلتي ! أخوكي هيشلني يا بت! وأنت يا كبير يالي ندهتلك مخصوص تاجي تشاركنا عقل أخوك يا ولدي... يمكن يسمع منك!
هناك لحظات يفقد فيها الإنسان القدرة
حتى على التظاهر وقد ضاق صدره بصورة جعلته يخرج الكلمات بصعوبة وبدون حساب
أجوله
إيه بالضبط طمني جلبك يا حجة حسنية... الحديت معدش منه فايدة من الأساس. شكل إسراء هي اللي هتفوز من غير تعب ولا وجع جلب منك!
توجه معاذ إليه بسؤاله
هو إيه اللي معدش منه فايدة أنت واخد بالك بتتكلم على إيه
زفر بخفوت ليرمقه بضيق وقد انصب تركيز الجميع نحوه
واخد بالي... وعارف إنك هتتجن بالبت بس شكل الأمل خلاص هيروح ويتبخر. لما مزيونة ترجع لعرفان اعتبر إن حلم جوازك من بتها في حكم المستحيل.
عرفان لف الدايرة حواليهم بلعبة خلت الاتنين يوافجوا على الرجوع رغم عفاشته حتى الأجاويد اللي دايما يدخلوا لصالح مزيونة هما كمان شربوا المقلب.
وووه تمتم بها معاذ بما يشبه الصدمة فتدخلت منى التي علمت السر خلف حزن شقيقها 
مين اللي جالك كده يا حمزة وكيف يعني هي تجبله دي تطيج العمى ولا تطيجه اسألني أني أنا أكتر واحدة عارفة كده والله.
حسنية هي الأخرى وقد أصابها ما أصابهم رغم اختلاف الأهداف لاه يا حمزة لاه. لو كنت فاكر إن كلامك ده هيريحني يبقى ما تعرفش أمك يا ولدي. مهما كانت مصلحتي ولا رغبتي إن ولدي ميطلعش برا العيلة ولا ياخد واحدة غريبة عنينا ده معناته إني هجبل بأذية بنات الناس. ده راجل شراني وأنا شفته بنفسي. البنية غلبانة هي وبتها ومحدش يرضالهم كده أبدا.
وكسرة قلب ولدك أجفلها معاذ بصيحته ليردف بقهر نحوها وكأنها هي السبب الرئيسي
في حزنه عمال أحايل فيكي بقالي أيام وانتي عارفة إن موضوعي مش هين مع الراجل ده. طيب إيه رأيك بجى لو ما اتجوزتش ليلى مش هتجوز غيرها واصل ولا هتشوفيني على كوشة طول حياتك يا حجة حسنية. طول حياتك.
أنهى جملته ونهض مهرولا من أمامهم فتبعته منى بخوف عليه واض يا معاذ استنى هنا! رايح فين يا حزين لا تعمل نصيبة احنا مش ناقصين.
ارتجفت حسنية هي الأخرى ورغم عتبها على معاذ إلا أن هيئته التي كانت لا تبشر بخير دفعتها لمخاطبة الأكبر حمزة روح شوف المجنون ده دا عقله طاقق وما حدش عارف راسه فيها إيه!
نظر إليها غير مبال وكأن الأمر لا يعنيه يعمل اللي عايز يعمله يمكن الجنان يجيب فايدة مدام العقل والأخلاق معدش ليهم مكان في الزمن ده. عن إذنك بجى أنا رايح المديرية أشوف آخر الأخبار.
تجمدت تطالع انسحابه من أمامها ومغادرته لا تستوعب ما صدر منه وكأنها ترى شخصا آخر غير ابنها الذي تعرفه. ترى ما الذي أصابه هو الآخر
..............................
وإلى مكان آخر... في منزل المدعو جمعة وكان يتناول من الطعام الذي طلبه عطوة من إحدى المطاعم المعروفة في المحافظة دجاج محمر وأنواع أخرى تفتح الشهية المفتوحة من الأساس.
يضع القطعة تلو الأخرى والفم ممتلئ عن آخره بنهم وجشع وكأنه لم يتذوق الطعام منذ سنوات حتى عقب عليه عطوة بقرف
براحة يا جزين براحة. لا الأكل يوقف في زورك ولا نلاقيش حد ينجدك لو كبس على نفسك وروحت فيها!
ضحك المذكور حتى برز الطعام المحشور في فمه بصورة قلبت معدة الآخر فنهض منهيا طعامه جاااك الزفت اشبع بالأكل يا خوي. أنا سايبها لك ونايم.
وبالفعل استند إلى كفيه ونهض من على جلسة الأرض من أمام الطعام المرصوص على ورق التغليف الذي جاء به يعرج على القدم المصابة حتى وصل إلى الكرسي الذي يتوسط الغرفة فأخرج سيجارة من جيبه وضعها في فمه أشعلها ونفث
الدخان منها ثم وجه بصره نحو هذا الذي لم يتوقف أو يخجل من انتقاده وما زال يواصل حصد الأخضر واليابس.
اما نفسك حلوة جوي يا جمعة على كد ما تدي للي جدامك أمان أنا عارف آخرك وكلة أو فلوس. على كد برضو ما تخوفه إنك سهل جوي حد يشتريك باللي زيهم.
مرة أخرى ضحك جمعة بسماجة فصاح به عطوة ونهره خلاص اجفل وفوضها مش ناقصة قرف. ولا أقولك أنا اللي هولي وشي عنك.
قالها عطوة واستدار عنه ينظر أمامه بشرود يحصي الليالي والساعات في انتظار شفاء قدمه والسير عليها كي يعود إلى البلدة مادام لم يكتشفه أحد حتى عرفان الأحمق حين هاتفه ابتلع الكذبة وصدقها حين أخبره بالذهاب إلى عزاء أحد أقاربه في القاهرة وربما يجد له هناك عملا يعيش عليه حتى يرجع.
كم يتوق للعودة وفعل المستحيل حتى ينالها. لا يشغله حلال أو حرام المهم هو أن ينالها تلك الجميلة التي كانت حلمه في الصغر ومن حقه لأنه مقارب لها في العمر. أي لو كانت انتظرت حتى تتم السابعة عشر أو الثامنةعشر لربما أصبحت من نصيبه. لكن اللوم ليس عليها. اللوم على ذلك الغراب عرفان الذي خطفها قبل حتى أن تنضج جيدا. تبا له.
......................................
في داخل قسم الشرطة وأمام الضابط المسؤول جلس ليخبره بآخر المستجدات في القضية والتي كان أهمها نتيجة عينة الدم وعدد من القرائن الأخرى حول أحد الأشخاص وظهوره في ذلك الوقت بتلك المنطقة. بدأت الشكوك الرئيسية تدور حوله خاصة مع اختفائه المفاجئ عن البلدة. وما إن علم بهويته حتى ارتخت ملامحه ليتمتم بالاسم البغيض وشيء من الانفراجة يلوح في عينيه
عطوة!
...................................
لم تقدر شقيقته على اللحاق به وإيقافه ولم يصغ لنداء والدته بالإضافة إلى سكوت حمزة عن ردعه. تلك العوامل مجتمعة جعلته يخرج في حالة من الجنون تدفعه لفعل المستحيل كي يقابلها. وبما أنه يعلم مواعيد دروسها لم ينتظر حتى تعود إلى منزلها أو حتى يستخدم الحصان حجة لمراقبتها كما كان يفعل سابقا. لقد قرر أن هذه المرة لن يخشى أحدا.
خلف منزل أستاذ مادة الإنجليزي ظل لأكثر من ساعة ونصف يدور حول نفسه في الشارع الممتلئ بالبشر غير آبه بنظراتهم إليه ولم يعط اهتماما لأي شيء سوى عندما خرجت من البوابة الحديدية للمبنى بصحبة عدد من الفتيات زميلاتها في الدرس.
وقف قليلا يتابعها وهي تتحدث بعفوية وتضحك بانطلاق لا يقيده قواعد الكبار المتشددة تجاه كل ما هو أنثى.
سار خلفها وفي أول تقاطع غيرت فيه طريقها وكانت بصحبة فتاتين أسرع بخطواته ليتصدر أمامها
ليلى ممكن نتكلم كلمتين
جاء رد فعلها بشهقة إجفال خرجت من حلقها لتتراجع بخطوتين إلى الخلف ومعها الفتاتان اللتان استوعبتا الموقف سريعا فصرختا فيه
إنت مين يا جدع إنت! وإزاي تعمل كده!
لم يلتفت إليهما وظل تركيزه منصبا عليها مردفا
عرفيهم عني بعدين يا ليلى المهم دلوك أنا عايزك في كلمتين.
تماسكت من رهبتها وهتفت به
احترم نفسك يا معاذ وابعد عن طريقي! دا مش أسلوب أصلا.
أومأ برأسه متظاهرا بالتفهم ثم عاد إليها معتذرا
ماشي يا ستي أنا بعتذر ليكي وللبنات حقكم على راسي من فوق وأنا عارف إن أسلوبي مايعجبش بس برضه عايزك تسمعيني يا ليلى... ممكن يا بنات تسمحولي
يخرب عجلك عامل زي القطر!
تمتمت بها ليلى أمام دهشة الفتاتين اللتين تسمرتا في مكانهما بعدم فهم لطبيعة الكائن الواقف أمامهما. ثم أردفت بحذر وهي تدفعهما بيديها
نسرين سمر معلش جدموا خطوتين عني
ووجفوا استنوني أشوفه عايز إيه وهقولكم والله.
أبعدتهما عنها بمسافة خطوات بسيطة لتتخصر أمامه بضيق قائلة
نعم قول كلمتينك يا معاذ عشان إنت شكلك مجنون وهتجبلي الفضايح.
بعد الشر عليكي من
الفضايح! اللي يجيب سيرتك
أصلا أجطع عمره من الدنيا...
توقف برهة عن اندفاعه ثم صعقها مردفا
ليلى أنا عايزك تتجوزيني.
توقفت لحظات تحاول الاستيعاب قبل أن تردد بتساؤل من خلفه
مين اللي يتجوز!
وكأنه كان في انتظار هذا السؤال ليلقي بكل ما في جعبته دون ترتيب أو تفكير
أنا بتكلم عني وعنك. أمك عايزة ترجع لأبوك ميخصنيش. إنتي حابة أبوكي العفش ده برضه ميضرش. المهم إنه يوافق على جوازي منك. أمك عايزة تعلمك مستعد أوصلك للدكتوراه وأساعدك لكن في بيتي. غير كده لا ليكي جواز ولا تعليم ولا راجل تاني هيجرب منك طول ما أنا عايش. هوجف حالك من كله يا ليلى! إنتي لسه ما شفتيش جناني أصلا... أنا بحبك يا ليلى.
... يتبع
رأيكن يا حلوين
الفصل الثاني عشر
والخوف كان الحارس لكل شيء
الخوف من الانكسار
من انكشاف الوجع
من الضعف حين لا يصح الضعف.
لكن خلف كل هذا
كان الحب يطل بخجل
مرة في رعشة صوت
وأخرى في نظرة مرتجفة
وثالثة في كلمة عابرة
تبدو بلا معنى لكنها تحمل كل المعاني.
الزمن بينهما لم يكن عدوا
بل مراوغا ماكرا
يطيل الطريق عمدا
كأنما يريد أن يعلمهما
أن بعض القلوب لا تشفى بالهرب
ولا تروض بالعقل.
وبين دفتي الجنون والحنين
يبقى فقط أمل صغير
أن يجرؤ أحدهما على الاعتراف أولا
ويكسر دائرة العناد
ويفتح للنجاة بابا
كان موصدا بالخوف طويلا.
المراجعة والخاطرة للجمر حجي سنا_الفردوس
.................................
بعد خطوات أشبه بالركض وصلت إلى المنزل الذي يجمعها بوالدتها لتلتقط أنفاسها خارجه قبل أن تلج بأقدامها إلى الداخل.
من حسن الحظ لم تجد مزيونة في طريقها فقد كانت في هذا الوقت تعمل على ترتيب إحدى الغرف وتنظيفها. أبصرتها في طريقها ولم تلق عليها تحية بل إنها لا تريد أن تراها من الأساس ستكشفها تجزم أنها ستكشفها.
دلفت إلى غرفتها وألقت بذاتها على الفراش تتقوقع على نفسها بارتجاف وتشتت. حتى الآن لا تستوعب ما حدث. هذا المجنون... لقد صدمها بفعله! قالها بملء فمه وأمام صديقاتها وفي منتصف الشارع إنه يحبها ويريد الزواج منها! فما كان منها سوى الازبهلال التام أمامه لم تسبه لم تنهره ولا حتى ألقت برفضها التام ردا على تواقحه. لم تملك الإرادة ولم يطاوعها لسانها على قول لا في وجهه. لطالما داعبها ذلك الإحساس باهتمامه ونظراته الهائمة الواضحة بوضوح الشمس.
تتلقى يوميا لفتات الإعجاب وكلمات الغزل ممن تعرف ومن لا تعرف كلها أمور اعتادت عليها ولا تعيرها انتباها نظرا لتركيزها على الهدف الأعز لها وهو شهادة كبرى ومستقبل مختلف يسعد والدتها.
لكن ما حدث من هذا المجنون كان كانفجار مفاجئ داخل بحيرة ماء هادئة ليهدد سكونها وأمانها. لماذا ظهر الآن وقد كانت ماضية في طريقها دون تفكير في أي شيء يشغلها عن هدفها لماذا وكل الأمور معقدة حولها وما يطلبه منها كالأمر المستحيل من الناحيتين ناحية والدها الذي يكره عائلته ووالدتها التي...
انتي جيتي إمتى من الدرس جاء السؤال المباغت أثناء شرودها بعد اندفاع باب الغرفة وفتحه فشهقت منتفضة نحو صاحبة الخاطر الأخير والتي أطلت أمامها وكأنها أتت على النداء. فقطبت مزيونة باستغراب لرد فعلها
بسم الله الرحمن الرحيم مالك يا بتي شفتي عفريت
حاولت الرد بنبرة آسفة وهي تلتقط أنفاسها بتوتر ملحوظ
آآ... لا طبعا يا أمه أنا بس اتخلعت لما الباب اتفتح فجأة وأنا سرحانة.
آه... صدرت من مزيونة ثم خطت حتى اقتربت لتجلس بجوارها تطالعها بتفحص متسائلة
والخلعة الخفيفة دي تخلي وشك مخطوف كده... أنا ليه حاسة إن فيكي حاجة مش مظبوطة انتي تعبانة يا بت
لاه... لاه مش عيانة أنا مفياش حاجة. نفت وهي تحرك رأسها لتجعلها تعاود بسؤال آخر
طب حد زعلك ولا عمل معاكي حاجة عفشة
حد مين جاء تساؤلها بإجفال زاد من تدفق الهواجس في رأس تلك التي تحفظها أكثر من خطوط يدها
أنا اللي بسألك مين شكلك اللي مش طبيعي ده يأكد إن حصل معاكي حاجة. حد ضايقك موقف عفش اتحطيتي فيه في كل الأحوال انتي هتحكي دلوك وأنا هعرف.
ابتعلت ليلى رمقها بضعف تحاول المراوغة والتهرب
يا أمه مفيش حاجة... أو يمكن موقف بسيط بس عادي يعني مش مستاهل أحكي عنه.
والله طب عيني في عينك كده قالتها مزيونة تقرب وجهها من ابنتها التي سقطت في الفخ وانكشفت سريعا حين أزاحت بأبصارها عنها غير قادرة على مواجهتها لتزيدها تصميما
كده يبقى تحكي وماتخبيش ولو تفصيلة واحدة عني يا ليلى.
أما هو فقد هدأ جنونه قليلا ليعود إلى منزله تكتنفه الحيرة والتساؤلات عن ردها. ما لمسه ورآه منها كفيل بأن يريح قلبه قليلا حتى لو اعترضت أو ادعت الرفض بوجهه. لكنه يعلم أن ما ينتظره كثير وهو قادر على مواجهة الجميع من أجلها. والأهم في نظره الآن هو موافقتها.
تقول نعم وسوف يفعل المستحيل من أجلها حتى لو اضطر لمواجهة العالم حتى لو اضطر أن يضع يده في يد أبيها... ذلك الرجل البغيض.
وكنتي بتجوليلي حاجة بسيطة يا ليلى الواد ده اتجنن ولا عقله طار منه ليه ما صرختيش ولا لميتي عليه خلق الله ليه ما وجفتيهوش عند حده يا بت
صاحت بها مزيونة غاضبة فور أن انتهت الأخرى من قص جميع ما حدث إذعانا لرغبتها لتدافع مبررة
ما هو ما جلش أدبه ولا عاكس هو طلب يدي بس!
وجالك ب بحبك... ولا نسيتيها دي
أيوه جالي... بس بصوت واطي!
انتي هتجننيني يا بت عالي ولا واطي ما هو كله واحد! كونه اتجرأ وعملها دي ليها حساب كبير! ثم تعالي ليه ما رديتيش على طلبه في ساعتها وجولتي له لا ليه تخليه يتعشم الواد الصايع ده
بس معاذ مش صايع... صدرت منها سريعا بعفوية أنستها الوضع القائم لتهب مزيونة من محلها بانفعال يكتسحها
لا صايع! وأنا هعرف أوجفه عند حده زين مدام انتي معرفتيش! ونهضت من أمامها
تغادر وحالة من الغضب تجعلها تود إحراق هذا الفتى الأرعن... وشقيقه! لا تعلم لماذا خطر هذا الآخر على عقلها الآن لكنه لا بد أن يتحمل نتائج قلة التربية لهذا المعتوه. يجب أن ينال العقاب على فعلته حتى لا يكررها مرة أخرى لا بد أن تلتقيه سريعا وتبلغه شكواها.
صباح اليوم التالي وقد كانت الساعة لم تبلغ السابعة بعد حيث الضياء البكر لليوم الوليد. هذا موعده ليباشر استعدادات البناء قبل أن يأتي العمال في الثامنة صباحا.
كان هو في هذا الوقت يمر على الحوائط التي تم بناؤها حديثا كي يرى مدى رضاه عنها كما فعل أيضا بالسور الذي قارب أن يضم بيتها ضمن محيطه. وكم ود أن يحدث ذلك! الشوق لرؤيتها يقتله يحترق من أجل سماع صوتها ومع ذلك لا يأمل حدوث ذلك في ذاك الوقت المبكر.
ولكن... أن يحدث ويسمعها فجأة تناديه باسمه كأنه أمر من خيال رأسه. حتى وهو يلتف نحوها ويراها بكليتها واقفة أمامه وما زالت تناديه بطلتها التي يرجف قلبه لها في كل مرة... هذا لم يمر به على مدار سنوات عمره الأربعين مع امرأة غيرها.
أبو ريان أنا بكلمك. نفض رأسه من عبث أفكاره وتلك المشاعر التي تعصف به حتى إذا تمالك بأسه أجابها بلهجة تبدو عادية
يا مرحب يا أم ليلى صباح الخير.
صباح الخير. رددت بها خلفه بوجه متغير ونبرة لم تروقه ليعلق مخاطبا عينيها المتهربة منه
خير في حاجة
خير إن شاء الله. قالتها ثم شحذت شجاعتها لتفصح عما في صدرها
أبو ريان أنا ليا عندك رجاء... أو شكوى بمعنى أصح. لأن اللي حصل ما ينفعش يتسكت عليه.
تسرب القلق داخله ليحثها على التحدث متوجسا
يا ساتر! للدرجة دي قولي اللي عندك يا أم ليلى وأنا تحت أمرك.
سمعت منه ثم قامت تقص عليه ما حدث من شقيقه مع ابنتها. ينصت لها جيدا لكن ملامح وجهه المرتخية لا تعطيها رد الفعل الذي تتوقعه
فيزداد انفعالها وهي تواصل استرسالها في الأمر الجلل. حتى إذا انتهت سألته مباشرة
يعني دا يرضيك يا أبو ريان دا يرضيك قال بهدوء أثار استفزازها
لا طبعا ما يرضينيش. أكيد كان لازم يستنى. أنا هنبه عليها دي.
كادت أن تخرج شهقة استنكار من نصف حلقها حين افتر فمها وبرزت عيناها بذهول لمنطقه المقارب للبرود في تلقي شكواها حتى ردت بعدم استيعاب
تنبه عليه! دا بدل ما تشد عليه وتعرفه غلطه! هي سمعة بنات الناس هينة جوي كده
حسنا استطاعت هذه المرة أن تزحزحه من جموده
يا ست مزيونة مين بس اللي جاب سيرتها ولا يجرؤ حتى! انتي بنفسك جايلة إنه اتصدر لهم في الطريق التاني مش العمومي ومخربطش ولا عاكس. هو بس عرض إنه يتجوزها...
وجالها بحبك! قاطعته بها بانفعال حتى كادت أن تضحكه لتبرز ابتسامته رغما عنه في محاولته التلطيف معها
امسحيها فيا أنا المرة دي. عارفة... غشيم. بس والله دي أحسن فئة من البشر في الحب لأنها ما بتعرفش تخبي ولا تلف وتدور. اللي في جلبه على لسانه. اعذريه.
للمرة الثانية يذهلها بهدوئه فاستهجنت موجهة الحديث إليه بلوم
يعني أفهم من كده إنك بتبرر له! دا بدل ما تردوه عن اللي عمله وتحاسبوه حب إيه وكلام فاضي إيه
زفر بخفوت ليتريث قليلا ويمتص غضبها حتى لا يفسد الأمر برمته إن استمر هذا الجدال الحاد ليعود أخيرا قاصدا ترضيتها
أنا عارف إنه غلطان بس رايدها في حلال ربنا. من ساعة ما شافها وهو على راسي أنا وأمي وإحنا بنصبره على ما تتحسن الظروف أو حتى على ما تكمل سنتها الأخيرة في الثانوية. وبعدها يصحلنا نتقدم وتاخد علامها الجامعي في بيته. لكنه مش قادر يصبر وأنا عاذره. خايف من بكرة ومن غدر عرفان. وهو خلاص جاب آخره. أصل الحب ده لا بيدي ولا بيده... دي حاجة من عند ربنا بيزرعها في قلوبنا ولا ليها طب ولا ليها دوا.
وكأنه كان يتحدث عن نفسه... لامستها كلماته الأخيرة لتحدث بها اهتزازا وارتباكا ملحوظا رغم ادعائها غير ذلك. ثم أعترضت بفظاظة
ومين جال إني هوافق أنا بتي هعلمها وهفضل وراها لحد ما تمسك وظيفتها عشان ما تحتاجش لراجل ولا أي مخلوق. خليه يدور على واحدة تانية تسعده وترضى بيه أحسن. على الأقل يوفر مجهوده. ما طلعتش بيها أنا واتطلقت عشان أكرر نفس غلطتي!
توقعت ردا قاسيا لكنه لم يفعل. بل ظل صامتا يناظرها فقط بثاقبتيه الضيقتين وكأنه يخترقها. سهام نظراته الحادة تغوص بها وتكشف أغوارها تصل لأبعد نقطة في داخلها حتى أزعجها ذلك الخاطر. فانتفضت من ثباتها وسحبت ذاتها من أمامه... هاربة من حصاره. ولم تخط سوى خطوتين حتى وصلها صوته يشق أذنيها
مش كل الرجالة... عرفان.
وفي منزل حماد القناوي حيث هالة التي كانت كمن تدور حول نفسها منذ الأمس في حالة من التخبط ظنون وأفكار واستنتاجات تملأ رأسها منذ حديث ريان الصغير وربط الخيوط ببعضها. لقد اشترى قطعة الأرض كي يبني منزله في تلك المنطقة العازلة ليكون بالقرب من تلك المرأة. نعم هذه هي الحقيقة التي تأكدت منها اليوم.
يخفون عنها الكثير هذه الأيام ربما لهذا السبب ولكن ما دخل معاذ يشتتونها بالتفكير به وهم يدبرون أمر حمزة في الخفاء. اللعنة سوف ينفجر رأسها إن لم تعرف الحقيقة كاملة.
براحة على نفسك من التفكير اللي يشوفك يقول وراك مشكلة دولية ومش لاقيالها حل! عقب بها خليفة متهكما بعدما دلف إلى الغرفة ووجدها على نفس الحالة التي تركها عليها. رفعت رأسها نحوه بانتباه شديد ثم توجهت إليه بالسؤال وهو في طريقه إلى خزانة الملابس لتبديل ملابسه
إلا قولي يا خليفة... هي روان طليجة أخوك
لساها برضو شغالة مع أبوها في شركة المقاولات بتاعتهم
سمعها الآخر وتوقفت يداه عن خلع قميصه وتجمد لبرهة قبل أن يلتف إليها يرد بخشونة
وإنت مالك بيها إيه اللي جاب سيرتها أصلا
ابتلعت رمقها تبرر بكذب
أنا بسأل عشان بجالها فترة يعني ما جتش ولا سألت على ولدها. إيه هي خلاص فقدت الأمل من حمزة ومن رجوعه ليها
بغضب يكتمه بصعوبة التفت إليها متهكما
تفقد الأمل ولا حتى ترجع له تاني! تشغلي بالك بيها إنت ليه خلاص حبيتيها دلوك وبجى هامك أمرها ما تخليكي في حالك يا هالة عشان أنا ضجيت وروحي بجت في مناخيري منك! ده إيه القرف ده والعيشة اللي تقصر العمر دي!
التف وتناول جلبابه البيتي وتابع ذاهبا من أمامها
سيبها لك وغاير خالص من وشك! اشبعي فيها لوحدك يا هالة يمكن تلاقي حل كمان لقضيتك الجديدة اللي أنا مش عارفها!
جاءت الأخيرة يتبعها صفقة قوية لباب الغرفة اهتزت لها الجدران وانتفضت على إثرها لتغمغم حانقة في أثره
ده ماله ده بقت كل الثورة دي عشان بس سألته عن روان رجالة نكد!
................................
تبضعت داخل السوق القريب في البلدة وابتاعت ما يحتاجه المنزل من خضروات ومنتجات الألبان الطازجة من يد صانعاتها من النساء فهذا شيء لا بد أن تنتقيه بنفسها لتحكم وتختار على عكس أمر البقالة السهل الذي يتكفل به رئيس العمال العم مغاوري للتخفيف عنها يوميا.
كانت في طريقها الآن نحو منزلها حينما تفاجأت بصاحب الجسد الضخم يظهر لها من العدم ويسد الطريق أمامها مخاطبا
عاملة إيه يا مزيونة ألا إنت جاية من فين أصلا
ردها الغريزي كان بالارتداد بقدميها للخلف خطوتين تتماسك وتتمالك بأسها قبل أن تجيبه باجفال لا يخلو من حدة
مرحبا يا أبو ليلة! يعني هكون جاية من فين وأنا السلة في إيدي! ثم إيه لزومه السؤال
تبسم مبررا بلطف مبالغ
مقصديش حاجة شينة بالسؤال طبعا أنا بس باصص على تعبك سوق ووجع جلب وشمس وإنت طول عمرك مستتة في بيتك وكل حاجة بتيجي لحد عندك...هو أنتي مش ناوية تريحي نفسك وتريحيني بالرد المفيد كفاية بقى تفكير.
بالطبع فهمت من حديثه الى ما يرمي إليه فرفعت بصرها نحوه لتقابل عينيها بعينيه اللتين شملتاها بوقاحة وكأنه تناسى أنها لم تعد زوجته. مسح بجانب إصبعه على طرف شاربه الكث المرتب لقد عاد إلى عرفان القديم ذلك الذي كاد بهوسه بها وأنانيته أن يتسبب في حرمانها من الإنجاب إلى الأبد لولا رحمة الله.
لطالما شكرت صفا في داخلها رغم كل أفعالها معها إلا أنها كانت رافعة عنها هما كبيرا بصرفه عنها. من قال إن كل الشر نقمة ارتجف داخلها وهي تتخيل عودتها إليه وهي التي قررت أن تهب حتى عمرها لابنتها. ولكن أين تجد القدرة لتحمله وهي نفسها تغيرت ولم تعد تلك الصغيرة التي لا تعي شيئا.
ووه يا مزيونة! كل ده سرحان ما تردي بقى وريحينا... هو أنا غريب عنك دا أنا أبو بتك يعني راجلك اللي تعرفيه...
عرفان بعد من جدامي خليني أروح باللي شايلاه.
قاطعت إسهابه بها فلم تتحمل حتى الفكرة وهمت لتتخطاه قبل أن تنتبه إلى بوق السيارة التي اقتربت منهما. التفتت لتفاجأ بآخر شخص تتمنى رؤيته الآن وقد توقف ليترجل
من سيارته مخاطبا إياها
في حاجة يا أم ليلى ليكون محتاجة مساعدة
هذا ما ينقصها! أن تطلب مساعدته لها من حصار عرفان الذي ارتفع حاجبه الأيسر نحوه بشر ليعقب
شايف جر شكل على أول الصبح! حد طلب منك يا أخينا تحشر نفسك بين الراجل ومرته
مرته!
ردد بها حمزة من خلفه بنبرة استنكارية أنبأتها بخطورة القادم لتسحب نفسها من أمامهم بحسم
عن إذنكم... أنا ماشية.
راقبها الاثنان وهي تبتعد عنهما بخطواتها المسرعة قبل أن يعودا لحرب النظرات التي قطعها حمزة بمكر مخاطبا
على فكرة يا أبو ناصر أنا ماجصدتش أي حاجة عفشة في دماغك... كل غرضي خير وربنا العالم.
خيرررر!
ردد بها عرفان والتمعت عينيه ببريق الشر مردفا
خلي كلامك لعيل أهبل ولا بريالة تضحك عليه! فاكرني مش فاهم ولا واخد بالي من أفعالك ولا البيت الجديد اللي ما حلالك تبنيه غير في الحتة دي دونا عن باقي البلد
توقف برهة ثم تابع بتحد وابتسامة ذئب
على العموم ابني وعلي براحتك... ودور بعدها على اللي هتسكن فيه معاك.
أومأ حمزة يستوعب طبيعة الرجل الذي أمامه. لقد عرف الآن السر خلف كل تلك الإغراءات التي قدمها لمزيونة وابنتها وتأكد له أنه لن يفي حتى بنصف الوعود التي قطعها عليها إن رضخت مزيونة وعادت إليه. تبا له من ثعلب وتبا له هو أيضا إن تركه ينفذ خطته الدنيئة!
أكيد طبعا أنا مش هابني بيت أتفرج عليه وهو فاضي! وإن شاء الله أتوفق مع صاحبة النصيب اللي تقبل تنوره. بس دا إيه دخله باللي بكلمك عنه! أنا بجولك نيتي خير... وبكرة تعرف زين إن قصدي مش اللي في بالك خالص!
ابتسامة ساخرة لاحت على زاوية فمه كانت الرد الوحيد من عرفان قبل أن يسحب نفسه ويغادر من أمامه دون استئذان أو انتظار ليتطلع في أثره حمزة مغمغما بحديث لنفسه
ماشي يا عرفان... هنشوف مين اللي هيكسب. .........
...............................
وفي داخل منزلها كانت تدور حول نفسها بعجز يقتلها القلق من تطور الأمر بين الاثنين اللذين تركتهما على حافة الدخول في شجار حام وفي الوقت نفسه تموت قهرا لمعرفة المستجدات. تعلم أن انسحابها كان حلا حتى لا يزداد الأمر اشتعالا لكنها أيضا لا تضمن غدر عرفان أمام التحدي المقصود من الآخر. اللعنة ماذا عليها أن تفعل وهي وحدها الآن
أتعود للاطمئنان عليه... تبا لا بل عليهما نعم عليهما. هي لا يخصها أحد منهما... نعم لا يشغلها أمر حمزة لا
يشغلها.
دوى فجأة صوت طرق على الباب الخارجي للمنزل لينتشلها من حديث نفسها الذي كانت تجبر عقلها على الاقتناع به. انتصبت مهرولة نحو الباب ربما أتاها خبر يطمئنها. وكانت المفاجأة حينما فتحت لتجد منى ووالدة حمزة أمامها...
هي عمتي حسنية راحت فين مش كانت من شوية برضو مع منى بيتحدتوا هنا توجهت هالة باستفسارها نحو معاذ الفرد الوحيد الباقي من تلك الجلسة التي كانت تضم الثلاثة منذ قليل في وسط المنزل قبل أن تصرفهم منى طالبة طبقا من الحلوى التي صنعتها بالأمس مع مشروب القهوة الساخن لتأتي الآن وتجد الطاولة فارغة إلا من هذا المتحذلق الذي تناول منها الصينية متبسما بخبث وهو يضع قطعة كبيرة منها في فمه
مشوار صغير يا هالة ومش هيتأخروا إن شاء الله. تجمدت بصدمة تردد بعدم استيعاب
مشوار إيه بالضبط والقهوة اللي طلباها مني أختك وطبق البسبوسة والراون اللي كانت نفسها فيها! هما امتى طلعوا أساسا
صرخت الأخيرة بصيحة تجاوز عنها معاذ ليواصل وضع القطع في فمه وارتشاف القهوة قائلا بهدوء
المشوار جه ضروري يا هالة اضطرت منى تمشي وتسحب أمي معاها دي نسيت حتى تتصل بمنص.
انفجرت به شاعرة بإهانة وكأن أحدهم صفعها على عنقها من الخلف
وهو منص ده يجدر يكلمها أصلا تروح وتاجي على كيفها وفي الآخر تراضيه بكلمتين! مش أنا اللي مضحوك عليا من الكل وبيداروا عني ولا أكني هحسدكم حتى... يا ستير!
هتفت بها وهرولت إلى داخل المنزل بغيظ شديد حتى جعله يغمغم خلفها
الله أكبر عليكي... بوز فقر.
هي مين اللي بوز فقر
قالها حمزة الذي جاء قادما من الخارج ليشير إليه شقيقه وهو يتابع انصراف الأخرى
وهي فيه غيرها والله خليفة أخوك ده شقي.
وحد كان جبره يختارها غمغم بها حمزة قبل أن يسقط على الكرسي المقابل له مردفا باستفساره
وأنا جاي لمحت أمك ومنى داخلين عند مزيونة أكيد عندك خبر.
سمع منه معاذ ليشرق وجهه بابتسامة تتراقص لها عيناه قائلا بصوت خفيض
ما هو ده المشوار اللي هيجنن هالة عشان تعرفه! أمك اقتنعت أخيرا يا واد أبوي وراحت دلوك مع منى عشان يقنعوا ليلى وأمها.
آه... تمتم بها حمزة باستدراك ليعقب
جول كده بجى يعني انت دلوك باعت أمك وأختك على أساس إن مزيونة سهلة جوي توافق وبعد ما اتصدرت لبنتها في نص الطريق كمان واتحفتها بجلة حياك وربايتك
بهت معاذ وتوقف عن مضغ ما في فمه يردد بريبة وتوجس
كيف يعني هي ليلى جالت لأمها
أيوه يا حبيبي حكت لها والست وجفتني واشتكتني مزيونة غضبانة منك غضب شديد.
انفعل معاذ خلف كلمات شقيقه يردد بمظلومية
طب وافرض يعني! ما أنا طالبها في حلال ربنا تفوتها دي مدام غرضي شريف ودلوك تقتنع إن شاء الله لما تلاقي الموضوع دخل في الجد. منى وأمي أكيد هيقنعوها.
لاحت ابتسامة ساخرة من حمزة يعلق بنصح
طب وافرض أمها وافجت والعقدة بجت في أبوها أجيبلك من الآخر يا معاذ حل عقدتك عند ليلى نفسها.
اعتدل الأخير باهتمام شديد يريد المزيد من الإيضاح
إزاي ما أنا بدخل البيت من بابه أها امبارح ما ريحتنيش ولا ردت عليا قلت أثبتلها إني جد... أعمل إيه تاني
اقترب منه حمزة يشدد عليه بكلمات مقصودة حتى يضعها جيدا في رأسه
أنا عارف وهي نفسها أكيد عرفت بس المهم إن يبجى عندها الإرادة زيك... الطريق لليلى عند ليلى نفسها!
توقف يراقب تأثير الكلمات على شقيقه ومدى استيعابه لها ليستطرد بالأخيرة
الساعة داخلة على اتنين... ميعاد رجوعها من المدرسة.
لم ينتظر كثيرا حتى نهض معاذ سريعا من أمامه ليتناول هاتفه وأشياءه مرددا له
لما ترجع أمي ومنى ابجى طمني بالتليفون.
أومأ له حمزة يتركه يغادر ثم غمغم في أثره
الله يعينك يا واد أبوي... ويعينني أنا كمان.
..........................
........وفي منزل مزيونة التي التزمت الصمت منذ ان بدأوا في الحديث معها كانت تسمع فقط دون أن تشارك بسؤال أو استفسار حتى أثار ذلك ريبة المرأتين فعبرت منى عن مخاوفها
شكلك مش جابلة الموضوع يا مزيونة عشان كده سايبانا أنا وأمي نغني ونرد على بعضينا.
الموضوع مش كده يا منى.
أمال إيه بس يا بنيتي جاء التساؤل الأخير من المرأة حسنية ليزيد من ثقل ما يكتنفها حتى ابتعلت رمقها بتوتر شديد وحاولت الرد بلطف
يا حجة حسنية إنتي والحجة منى جيتكم والله على راسي من فوق. المهندس معاذ عريس تتمناه أي واحدة لبتها تعليم ومال وجمال وعيلة تشرف أي حد. ده كفاية
شهامة الأستاذ حمزة وجمايله اللي ما تتعدش.
عقبت منى بجدية
بغض النظر عن الأخيرة عشان ما بين الحبايب مفيش جمايل ولا كلام فاضي بس أنا هتكلم عن اللي جابليها... قولتيها بنفسك عريس تتمناه كل أم لبنتها بالمزايا اللي ذكرتيها. ده غير إننا جابلين بكل شروطك عشان عارفين غرضك الأساسي في تعليمها وولدنا مستعد يساعدها كمان...
تبسمت مزيونة بضعف تطالعها لعدة لحظات قبل أن تقول ببعض الحرج
مش عايزة أبقى جليلة ذوق معاكم والله بس الحتة الأخيرة دي نفس اللي اتقالت لأبويه... عرفان لما اتقدم حلف بالإيمان إنه هيخليني أكمل على الأقل شهادة الإعدادي. أنا آسفة طبعا في التشبيه متأخذونيش يا جماعة.
لاه يا مزيونة مش هنلومك ولا نقول فرق السما من الأرض ما بين ولدنا وبين اللي اسمه عرفان... بس ده معناه إنه راجل ما عندوش عهد. يبقى تصدقيه ولا تجبلي ترجعي له تاني كيف
قالتها منى بقصد صريح لتفيقها من مجرد التفكير حتى شعرت مزيونة بالحرج وأطرقت برأسها لتنال مني جزاءها بلكزة على خصرها من مرفق والدتها التي زجرتها بعينيها حتى لا تتدخل فيما لا يعنيها.
يعني من الآخر كده يا بتي... إنتي رافضة ولا موافقة ولا ناوية تدي نفسك فرصة للتفكير في كل الأحوال إحنا
حبايب يا بنتي والود ما بينا موصول. ده كله جسمة ونصيب.
سحبت مزيونة شهيقا مطولا قبل أن تخرجه ثم تحدثت بصدق
اللي أقدر أجولهولكم يا جماعة... هو إنه لو عايزها يستناها على ما تخلص كليتها. ما تزعلوش مني. أنا مش عايزة بتي تكرر اللي جولته لأبويه بعد ما اتجوزت وانزاحت عن عيني الغشاوة ولما لقيت نفسي جدام مسؤولية أكبر من طاقتي... ساعتها قلتله ظلمتني يا أبوي... وفضلت الجملة معلقة معاه لحد ما مات وهو يقولي سامحيني... مش هتحملها والله لو سمعتها من بنتي
.......................
استني لحد ما تخلص كليتها! إزاي يعني!
هتف بها باستهجان عبر الهاتف لمحدثه ثم تابع بحزم بعد أن استمع لبقية الحديث الذي دار في منزل مزيونة
لاه يا حبيبي مش هصبر ولا ينفع معايا أصلا الكلام ده! أجفل دلوك وأنا هبجي أكمل معاك بعدين سلام.
أنهى مكالمته بعد أن انتبه لقدومها بملابس المدرسة من الطريق المؤدي إلى منزلها وقد اختار موقعه جيدا أسفل إحدى الشجيرات ليظل في مكانه حتى إذا اقتربت تفاجأت به أمامها فصدرت شهقتها
بسم الله الرحمن الرحيم! إنت تاني يا معاذ!
سمعها معاذ ليرد بإصرار
وتالت ورابع وخامس كمان! أنا مش ههدى غير لما أرسى معاكي على بر يا ليلى.
تكتفت تطالعه بحنق صامت ليستطرد قائلا
أمي وأختي يدوب طالعين من عند أمك بعد ما طلبوا يدك ليا عشان تعرفي إني مش بعاكس يا ليلى ولا بتسلى ولا ليا في الكلام ده أصلا.
فكت ذراعيها عن صدرها وقد استرعى كلامه انتباهها لتتساءل
وهي كان ردها إيه
كان ردها إني أصبر عليكي لما تخلصي كليتك يا ليلى.
لاح على ملامحها بعض الإحباط لتعقب ردا على قوله
وإيه الجديد ما هو ده العادي! ده رد أمي على أي حد يطلبني بعدين بجي خليني أعدي...
بس أنا مش أي حد يا ليلى!
صاح بها يمنعها من المرور فور أن همت بتخطيه ليواصل مشددا أمامها
أنا معاذ اللي هيتجوزك ومش بعد خمس سنين! لاه ده السنة دي ومش بعيد كمان الأيام الجاية!
والله ودي هتحصل إزاي إن شاء الله!
علقت بسخرية على كلماته ليجفلها بسؤاله
أفهم من كده إنك موافقة
أربكها بقوله لتذهل بأبصارها للحظات قبل أن تملك بأسها وتنهره
إيه الكلام الفاضي ده بعد من جدامي يا معاذ! خليني أروح بيتنا بدل ما أمي تقلق.
للمرة الثانية يمنعها من المرور وابتسامة أنارت وجهه بالفرح وهو يخاطبها بإصرار
لا مش ماشي يا ليلى غير لما تسمعي كل كلامي. لازم تعرفي إني هعمل المستحيل عشان تبجي في بيتي في أقرب وقت. هساعدك وهذاكرلك وهخليكي تدخلي الكلية اللي إنتي عايزاها ولو حصلت اذاكرلك زي العيال هعملها وهصبر عليكي. نجاحك هو نجاحي. في حاجة تاني أنا ناسيها
تعلم أن وعوده لها الآن ودون أي ارتباط رسمي هو ضرب من الجنون ومع ذلك وجدت نفسها مندمجة معه لتجيبه
أيوه في طبعا حاجات كتير إنت ناسيها! أهمها المسؤولية... مسؤولية راجل عايز اهتمام وخدمة في البيت أكل وشرب وتنضيف. أنا واعية على كل الأمور دي عشان أمي منبهاني عليها من الأول.
لو تعلم قدر سعادته باستجابتها لخجلت أن تكمل معه الحديث لكنه استطاع أن يسيطر قليلا على جموح مشاعره وهو يسارع في طمأنتها
كل اللي عايزاه هيصير. معاملتك في بيت أمك هتبقى نفس معاملتك في بيتي ويزيد عليها بس الدلع مني عشان هتبقي زي بنتي. ممكن تكوني شايفاها وعود وأحلام بس أنا مستعد أمضي عليها شروط جدام المأذون. حتى لو جوازي منك كله تعب أنا شاري تعبي معاكي. المهم إنتي بس توافجي وتريحيني.
ظلت على صمتها لبرهة عيناها الجميلة تطالعه بجرأة وكأنها تستشف منه الصدق. لقد أخذ الإجابة حتى وإن لم تنطقها. ينتظر فقط التأكيد والذي قد جاء بعد ذلك بنصف ابتسامة ماكرة راقص قلبه على إيقاعها قبل أن تقطعها بدلال فطري وتتخطاه ليتبعها بقوله
ليلى لو عندك أي حاجة صعبة في الدراسة جولي وأنا هتصرف. مش لازم تبجى المساعدة مباشرة.
بنصف التفاتة برأسها ردت عليه
لما أفكر الأول وأشووووف.
تنهد في إثرها ارتياحا يغمغم وعيناه تتابعها في طريقها الطويل دون كلل أو ملل
فكري مع نفسك براحتك أنا خلاص خدت الإجابة.
....................................
في المساء
وقد انتهى الرجال من يوم بناء جديد في منزله وتبقى فقط بعض الآثار من أدوات البناء التي يتم رفعها جلس هو يتابعهم وقلبه في الجهة المقابلة عيناه تتنقل نحو منزلها كل دقيقة في شوق قاتل لرؤيتها بعد لقاء أقرب للشجار صباحا.
لو تعلم أن بأفعالها البسيطة تلك تحيي بداخله أشياء ظن موتها منذ زمن تعيده لمرحلة المراهقة الانتظار في الطرقات التلهف لرؤية الحبيب والتساؤل هل يشعر به أم لا هل يبادله تلك المشاعر أم لا
اللعنة... بعض الأحيان يتمنى لو يملك نصف جنون شقيقه الأصغر حتى يفعل ما يريد ويحصل عليه لكن قدره أن يكون الكبير.
طل طيفها فجأة لتنتبه كل حواسه نحوها يراقبها فوق السطح تلقي بعض مخلفات برج الحمام الذي تراعيه. التقت عيناها بعينيه في تواصل بصري قطعته فجأة بخجل منها قبل أن تذهب من أمامه. ابتهج الفؤاد لرؤياها فنهض أخيرا تاركا محله وقد نال النظرة التي ظل ينتظرها منذ ساعات ليعطي اهتمامه للشيء الملح الآن ذلك الذي سوف يترتب عليه أمور مصيرية.
تناول هاتفه أولا واتصل بشخص ما والذي ما إن أجاب أصدر نحوه الأمر
خليك صاحي وجهز المطلوب أنا جايلك دلوك.
....................................
بعد قليل
وداخل البلدة التي لا تبعد عن بلدتهم سوى بعدد من القرى حيث مخبأه في منزل صديقه جمعة وقد كان نائما في هذا الوقت من الليل في انتظاره حتى يأتي من مناوبة المشفى يحمل له الطعام والسجائر وما ينقصه من احتياجات.
لا يدري ما الذي حدث حتى جعله يستيقظ من
نومه فيفتح عينيه على أقصى اتساع وهو يرى مجموعة من الرجال يلتفون حوله

تم نسخ الرابط