لأجلها بقلم أمل نصر الفصل الرابع عشر
كتير ما وقفتش عليه هو وبس لكنك كنت ماشية زي العمية ورا خالتك اللي كارهة مرته طب أهو لف الزمن وانجلب السحر عليكي! هتعملي إيه دلوك هترجعي ولا هتطلجي ولا إيه ظروفك
ضربت الحيرة رأس صفا لا تنكر أنها تريده رغم كل ما أحدثه بها من إصابات ولكنها تخشى غدره فهي الأعلم بطبيعته القاسية حتى إن تنازلت عن حقها لن يغفر لها ولن يتوانى عن إذلالها وكسر نفسها فهذا عرفان ابن خالتها الذي تعرفه أكثر من أبنائها
وفي منزل منى وقد أنهت مكالمتها الهاتفية منذ لحظات ليصيبها حزن تجلت معالمه على وجهها حتى أثار انتباه زوجها الذي كان يساعد أبناءه في استذكار دروسهم بجوارها في صالة الاستقبال
راقب شرودها للحظات وحين استبد به القلق تركهم وجلس بجوارها على الأريكة ليستفسر منها مباشرة
إيه الحكاية حد بلغك بخبر عفش في التلفون
أومأت بتنهيدة خافتة تخبره
مش خبر واحد للأسف دي أخبار!
اللي أتوقعتة وكنت خايفة منه حصلو أكتر كمان حركة معاذ جلبت مع مزيونة بعند والنتيجة دلوك إنها اتجفلت من كل النواحي عليه وعلى ليلى وعلى أخوه اللي ملوش ذنب كمان
حمزة تمتم بالاسم بفراسه منه لتردف هي مؤكدة
للأسف اتضح له إن مزيونة فاهمة وحاسة لكن عند نفسها خلاها تجلب عليه هو كمان على أساس إن ليه مصلحة في اللي بيحصل مش بقولك اتعجدت من كله!
زم بتفهم وابتسامة صغيرة ارتسمت بثغره رغما عنه معقبا
عشان زكية خسارة والله واحدة زي دي ما كملتش تعليمها على الأقل كانت
تبقى مناسبة أكتر لحمزة اللي متعلم تعليم جامعي
يا خويا بس ترضى! هو راضي بيها حتى لو جاهلة بس هي تحن وترضى
ضحك منصور ليخفف عنها
الصبر يا ست منى محدش عارف بكرة ربنا كاتب إيه
ببعض الاقتناع والارتياح رددت خلفه
ونعم بالله
أما عنها فقد كسى الحزن ملامحها جاهدت ألا تظهر ذلك أمام والدتها ظنا منها أنها قد تنجح لكن لم يحدث حتى محاولات صديقتيها سمر ونسرين لصرفها عن التفكير بدمجها معهما في الدراسة أو المزاح ولكن لم تفلح أي طريقة معهما
هي مصرة على الوفاء بوعدها لوالدتها وعدم نكث العهد ولكن أين تجد الإرادة للاستمرار والمضي قدما بدونه لا تعلم
ليلى عرفان موجودة هنا يا بنات ليلى عرفان
جاء صوت النداء من مدخل الفصل الدراسي المتواجدة بداخلة أثناء إحدى الحصص لتنتبه إليه مع رد المعلمة نحو تلك السيدة من عاملات المدرسة
أيوه ليلى قاعدة هنا مالك بيها يا عطيات
جاءت الإجابة من المرأة لتسرق انتباه الجميع نحوها
خطيبها عايزها في غرفة وكيل المدرسة!
برقت مرددة خلفها
خطيبي!
بعد قليل كانت أمام غرفة الوكيل برهبة تملكتها لتفاجأ به أمامها هو بشخصه جالسا مقابل مكتب الوكيل الذي تلقاها مرحبا قبل أن يترك الغرفة لهما
أهلا يا ليلى يا بنتي اتفضلي أنا هروح أجيبلي كوباية شاي وراجعلكم
خطت بأقدامها نحو الداخل بتساؤل غير منطوق تناظر ملامحه الباهتة ليس هذا معاذ الذي تعرفه طاقة الحب والجنون معا الحيوية في أبهى معالمها حل محلها تعاسة تجلت في نبرة صوته وهو يخاطبها
عاملة إيه معلش سامحيني لو اضطريت أستغل الصفة الوهمية دي النهاردة يعني اعتبريها من نفسي قبل ما الست الوالدة تنفذ اللي في مخها وتعلن فسخ الخطوبة اللي محصلتش أصلا
غامت عينيها بدمعة تحتجزها بصعوبة تسأله بجفاء تتصنعه
جايلي المدرسة ليه يا معاذ
ابتلع غصته ليجيب بصوت مبحوح
عشان مش هجدر أشوفك برا تاني ولا هوجفك عشان أكلمك وأسألك أنا خلاص عرفت الإجابة ومفيش داعي أزود أو أجيبلك الكلام
أردف بعد فترة من الصمت
أنا مسافر أسيوط أستلم شغلي يا ليلى الخطوة دي بقالي أسابيع مأجلها وأهي فرصة عشان ألاجي حاجة أحط همي فيها هي شركة مقاولات تخص واحد من أصحاب حمزة مقرها في أسيوط بس شغلها والمشاريع كلها تقريبا في القاهرة
يعني هتسافر تعيش في القاهرة
أومأ بإجابة مقتضبة
مشاريع كبيرة أهي تكفي سنين الانتظار على ما تخلصي تعليمك كنت هموت لو سافرت من غير ما أشوفك للمرة التانية بقولك سامحيني
سالت دمعة تحرق عينيها لتردد بعدم استيعاب
أسامحك على إيه بالضبط انت بتقول هتبعد بالسنين يعني هتنشغل عني ومش هشوفك تاني هو أنا فعلا مش هشوفك تاني يا معاذ
كيف يخبرها أن بعده عنها بمثابة اقتلاع قلبه ولكن ما باليد حيلة
أكيد هشوفك لو جيت أجازة زيارة هنه لكن مش هكدب عليكي أنا شايف البعد أسلم على الأقل أرحم الجميع من جناني ودلوك دلوك لازم أمشي مينفعش أستنى أكتر من كده هتوحشيني يا ليلى
قالها وهو يجبر قدميه على التحرك والمغادرة كم ود لو احتضنها لو طمأنها بإلغاء قراره لكن لا فائدة من الرجوع سوى زيادة عذابه إذا لابد من تنفيذ القرار
وغادر من أمامها ولم يلتفت حتى وراءه كي لا يضعف أمام دموعها التي انطلقت دون توقف حتى سقطت على المقعد خلفها بانهيار
حين
عادت إلى منزلها لم تكن بحالة تتيح لها حتى التصنع تسير أمام والدتها كالأموات وكأن بابتعاده عنها روحها أيضا قد تركت جسدها وذهبت معه
مزيونة البائسة ترى في ابنتها التغير الملحوظ ومع ذلك تغض الطرف وتتجاهل كي لا تنقل لها ضعفها حتى وقلبها ينشطر من الحزن لن تضعف أو تتراجع لا بد لهذه الفتاة أن تقوى هي لا تقسو إلا لمصلحتها ومستقبلها ليتها تعي تلك المعلومة جيدا ولا تترك نفسها كورقة خريف شاردة يتلاعب بها الريح
لا تستحق لقب الأم إن تركتها تتخلى عن مستقبلها من أجل رجل وعشق زائف سوف يزول بزوال الأيام
في المساء قرابة الساعة الحادية عشرة ليلا هذا موعده مر أكثر من شهر وهو يأتيها يوميا يرسل لها حصانه عزوز محملا بهدايا الشوكولاتة والحلوى يطرق على النافذة الخشبية بطريقته كي تستلم منه ما يشجعها على القراءة واستذكار دروسها كما يدعي لتجده واقفا عند المجرى المائي تتلقى منه ابتسامة تمكنها من النوم سعيدة وتصنع لها الأحلام الوردية
لا يوجد إلا الخلاء أمامها لا يوجد إلا الوحدة الموحشة لقد سافر وتركها سوف يبتعد عنها بما يمكنه من نسيانها نعم سوف ينساها وتظل هي لوحدتها تهتم بمستقبلها ودروسها كما وعدت والدتها والمطلوب منها أن تنساه الآن كما سيفعل هو
عند خاطرها الأخير فقدت القدرة على الثبات لتسقط منهارة بالبكاء فوق كتبها تبكي وتبكي حتى غلبها سلطان النوم على تلك الحالة
وفي صباح اليوم التالي وعت مزيونة على برودة الفراش بجوارها بما يثبت أن ابنتها لم تبت ليلتها معها كما يحدث كل يوم بعد أن
تنتهي من دروسها ليلا تأتي وتندس في الفراش بجوارها
انتفضت تبحث عنها لتذهب مباشرة نحو الغرفة التي تذاكر بها دروسها وكما توقعت وجدتها غافية على كتبها سقط قلبها حين شعرت بالهواء البارد الذي ضرب صفحة وجهها آتيا من شراعي النافذة المفتوح على مصراعيه
لتضرب بكف يدها بجزع
يا مري يا ليلى جالك جلب يا بتي تسيبي الشباك مفتوح! مش خايفة من البرد ولا حرامي يخش علينا
ركضت تغلقه على الفور ثم عادت تخاطبها كي تستيقظ
كل الغاغة دي ومصحتيش اصحي يا بتي كملي نومك ع السرير ليلى!
اقتربت تهزها بخفة
ليلى جومي يا بتي اخطفي لك ساعة ولا
بت يا ليلى! مالك مولعة كده بت
يا ليلى إيه اللي صابك ردي
عليا يا جزينة!
لم تستجب لكل هزاتها غائبة في عالم آخر لا تشعر بأي شيء حولها فمها فقط ما يتحرك ويردد بكلمة بالكاد تسمع
معاذ معاذ
إلى هنا وقد فقدت مزيونة كل ثباتها ابنتها الفاقدة للوعي تريد نجدتها بأي وسيلة لفت حجابها على عجالة بغرض البحث عن من يساعدها أو يقلها إلى الطبيب
وبغريزة أمومية بحتة لم تتردد في النداء على أقرب شخص وجدته أمامها
أبو ريان! حمزة!
كان واقفا أمام منزله في هذه اللحظة حتى التفت إليها مكذبا أسماعه بنطق اسمه مجردا على لسانها لكنها عادت تؤكد له بجزعها
ليلى بتفرفر مني يا حمزة! إلحقني ولا أنده أي حد يساعدني!
يتبع