لأجلها بقلم أمل نصر الفصل الرابع عشر
الفصل الرابع عشر
بالرغم من الزحام هناك أرواح تمضي وحدها
قلوب تتكئ على الفراغ وعيون أرهقها الانتظار
قد نغلق النوافذ لكننا لا نغلق الحنين
وقد نكابر لكننا لا نشفى
بعض الوداع لا يقال فيه شيء لكنه يأخذ منا كل شيء
أحيانا يمضي أحدهم بصمت ويأخذ معه كل الأصوات
ويتركنا نرتب تفاصيل الغياب على أمل ألا ننهار
لكننا ننهار فقط بصوت خافت لا يسمعه سوانا
الخذلان لا يأتي فقط ممن نكرههم
بل من الذين وعدونا أن يكونوا لنا وطنا ثم غادروا
فلا الطمأنينة عادت ولا نحن عدنا كما كنا
ورغم كل شيء نبتسم
لأننا اعتدنا أن نخفي الألم خلف قناع من الصبر
وأن نكمل الطريق حتى لو بأقدام مثقلة بالخذلان
المراجعة والخاطرة للجمر حجي سنا_الفردوس
الفصل الرابع عشر
لقد فعلها وأعلنها أمام الجميع ولم يكذبه أحد حتى والدتها التي تلقت الخبر كالغرباء لم تنطق ببنت شفة وقابلت أمرها بصمت تام ومريب أيضا
قالها لينفض عنه وعنها أي اتهام فينجيها من شرر ألسنة البشر ليمر هذا الحدث الجلل بسلام ويحين الآن وقت الحساب
وقفت هالة في أعلى الدرج تتابع الشجار الساخن أسفله بصمت مدهش رغم الغليان بداخلها ورغبتها في الصراخ في وجوههم لكن فضولها في معرفة التفاصيل جعلها تصبر وتحلل قبل أن تصدر أي رد فعل
استريحت دلوك استريحت بعد ما خليت الكل يمسك في سيرتك إنت والبنية استريحت بعد ما لميت أهل البلد كلهم يشهدوا عليك وإنت بتربي الواد الصايع ده جدع يا معاذ جدع يا بشمهندس يا عاقل يا راسي!
ختم حمزة كلماته وصفق كفيه بعصبية وتشنج من فرط غضبه حتى جعل الآخر يبرر مدافعا
راسي ولا مجنون! كنت عايزني أسكت وأخلي الناس تمسك سيرتها بعد ما الواد ده خربط بحديته والله لو كان يخصني أنا وبس ما كنت عبرته لكن عند ليلى أصور جتيل!
صرخ بالأخيرة حتى أثار جزع والدته فسارعت بالتدخل لتهدئة الأجواء بين ابنيها مرددة
ما خلاص يا بوي اللي حصل حصل كده كده الواد عايزها وهي كمان رايداه بكرة نعلي الجواب وما حدش يقدر ينطق ببوم حتى قال زيتنا في دقيقنا ومحدش شريكنا
ههاي! جال زيتنا في دجيجنا ومحدش شريكنا!
هتف بها حمزة بضحكة ساخرة خالية من أي مرح ثم التفت عنهم يعطيهم ظهره ليهدئ من وتيرة أنفاسه المتصاعدة بتوتر ملحوظ وتتدخل منى الصامتة منذ بداية النقاش الحاد بتعقيبها
الموضوع مش سهل زي ما إنتي فاكرة يا أم حمزة ولا المجنون ولدك كيف ما عجله مصورله منظر مزيونة النهارده وهي بتسحب بتها بهدوء ومن غير أي كلمة ما يوحيش بأي خير ده غير إنها مش بالسذاجة دي اللي تخليها تجبل بالأمر الواقع معاذ غلط إنه كلمها أصلا في المرماح خلينا نبجى واضحين مع نفسنا ما نبررش عشان نطلع بحلول تغصب غيرنا على حاجة هو مش عايزها
كاد حمزة أن يشكر شقيقته بعدما فسرت طبيعة الوضع القائم بهدوء وعدل دون تحفز جائر لشقيقها حتى أثر على معاذ الذي بدأ يصحو على حقيقة خطأه فيأتي رد حسنية بطبيعة أمومية بحتة تعارضها
ليه يا بتي نسميها غصب هي مزيونة لو لفت الدنيا كلها هل تلاجي زي المهندس معاذ تربية الأزهر وزين شباب البلد كلها! ده غير إننا مستعدين ننفذ لها كل طلباتها من جنيه لمليون اللي تأمر بيه إحنا كديه!
هو الموضوع موضوع فلوس
صاح بها حمزة وقد عاد للانفعال مرة أخرى مردفا
يا أمه الله يرضى عنك خلينا نفكر بعجل ومانخليش عواطفنا هي اللي تغلب! اللي حصل ما كانش في أوضة ولا في سوق حتى ده حصل جدام أمة لا إله إلا الله من أهل البلد أهم حاجة نرضي مزيونة ده حقها علينا دلوك!
قالها بصرامة وحزم حتى أيدته والدته بحماس
وماله يا ولدي إحنا نخطف رجلينا عليها العشية تكون هي هديت شوية وأنا ليك عليا أصالحها وأراضيها كمان عشان توافق وتقتنع وهاخد منى معايا
اعترضت الأخيرة تبدي رفضها
لا معلش يا أمه اعفيني أنا كفاية عليا الموشح الي هاخده من منصور على تأخيري أسيبكم بجى وأروح أشوفه فوتكم بعافية
تحركت مغادرة لتردد حسنية من خلفها
الله يعافيك يا بتي وإحنا إن شاء الله نطمنك بالأخبار
ثم التفتت نحو ولديها قائلة
الأمور سهلة إن شاء الله ما تعجدوهاش على نفسكم وهي في واحدة في الدنيا تكره راحة بتها
تهللت ملامح معاذ استجابة لكلماتها وقد ارتسمت بخياله الأماني على عكس حمزة الذي ردد بقلق
أتمنى ده يحصل فعلا ما أنا قلبي مش مطمن
أما هالة فقد تحركت هي أيضا ذاهبة لغرفتها وحالة من الغليان تسري داخلها نحو تلك المزيونة وابنتها وأهميتهما الظاهرة بعنف نحو الأربعة حتى المرأة الكبيرة نسيت شقيقتها ووعودها الدائمة بتزويجها لهذا المتمرد الذي كان يتعفف عن الزواج والآن يفتح له ألف باب اللعنة على تلك الحيرة التي أصابتها هل السر في الأم أم في ابنتها
بهدوء تحسد عليه لم تنهرها ولم تضربها أو تثر عليها كما تفعل باقي الأمهات في رد فعل طبيعي لكنها خالفت المتوقع ليس من أجل شيء سوى أن تفهم تفهم ما حدث ولماذا هذا المعتوه تصرف هكذا أمام الناس علي أنها شيء يملكه
أما عن ليلى فقد تسبب الصمت في انهيارها فبدأت تحكي وتبرر وتحكي دون أن تترك تفصيلة واحدة حتى لو لم يكن
لها محل من الإعراب لكنها أصرت ألا تخفي عنها شيئا
بس كل ده اللي حصل من طج طج لسلام عليكم ما خبيتش عنك أي حاجة يا أمي أكيد أنا غلطت ومستعدة لأي عقاب منك بس والله كله حب شريف مفيهوش أي تجاوز من أي نوع يعلم الله حتى سلام اليد كان
ممنوع
أسهبت وأسهبت في التبرير ومع ذلك لا تجد منها إلا الصمت تطالعها بأعين خاوية لا تدري إن كان بها عتب أو
خيبة أمل أو حسرة
ليتها ضربتها حتى كسرت لها عظامها على الأقل سيكون أرحم من هذا السكوت المطبق
يا أمي ردي عليا الله يرضى عنك!
وتابعت البكاء بنشيج حارق حتى بلل سيل دموعها قماش العباءة فوق ركبتي مزيونة والتي أشفقت عليها أخيرا فتنهدت بعمق قبل أن تمسكها من ساعديها لترفع رأسها إليها قائلة بحزم
أنا مش هضربك ولا حتى هحاسبك أنا بس هطلب منك حاجة واحدة عشان أسامحك يا كده يا ما تبجيش بتي من الأساس
التقطت ليلى استجابتها بلهفة تومئ برأسها بالموافقة رغم توجسها الشديد من القادم
فرفعتها مزيونة من ذراعيها حتى أجلستها مقابلة لها ثم ألقت عليها بصرامة
أنا مستعدة أنسى اللي فات بكل أغلاطك فيه من أول ما داريتي عني معرفتك بمعاذ لحد جرسة المرماح واللي حصل فيه بس بشرط إن اللي جاي كله بكلمتي أنا اللي هقرر مستقبلك يا ليلى وانتي اللي عليكي تجولي حاضر مهما كانت صعوبة القرار وأظن إنك عارفاه زين
وكيف لا تعرفه! وهو بمثابة الإعدام لها ومع ذلك لا تملك الاعتراض
وكأنها ملكت قلبا من حجر واصلت مزيونة الطرق على الحديد ساخنا حتى تغلق باب النقاش إلى الأبد
هااا جولتي إيه
بانهيار أشد من السابق ردت ليلى بصوت بح من شدة الحزن
موافقة كل اللي تجولي عليه أنا موافقة بيه
ختمت لتنطلق في موجة أخرى من البكاء بحرقة
لا تملك