قلبي لمن بقلم امل نصر ج1

لمحة نيوز

الجلد، أصابعها تتحرك بمهارةٍ آلية، بينما قلبها يتمزق في صمت. كان ضجيج الصالة يصل إليها كأنه طعنات؛ أصوات الضحكات، زغرودة مكتومة، ووقع خطوات العريس وأهله الذين جاؤوا لترسيم الخيانة في إطارٍ شرعي.
تتجاهل ياسمين الوجع بتركيزها في عملها اليدوي، تُحكم عقدة الخيط بقوة كأنها تخنق أحزانها، لكن ملح الجرح كان أشد من أن يواريه الانشغال. فجأة، انفتح الباب دون استئذان، وطلت والدتها اعتدال بوجهٍ يملؤه التوتر والإصرار، وألقت نظرة شامتة على شنط الهاند ميد
يا بنتي حرام عليكي نفسك، لسة بتضيعي وقتك في الشنط اللي لا بتودي ولا بتجيب دي؟ قومي يا ياسمين، الناس بره بيسألوا عليكي، وأمه عايزة تسلم عليكي مخصوص.. ما تخليش شكلنا وحش قدامهم، أرجوكي، خلّي الليلة تعدي على خير.
حاولت ياسمين أن تصمد، أن ترفض، أن تقول إن كرامتها أغلى من الأصول الزائفة
يا ماما حرام عليكي، سيبيني في حالي.. عايزاني أخرج أعمل إيه؟ أبارك لهم؟ أضحك وأنا قلبي بيتقطع؟ مش هقدر يا ماما، كفاية اللي أنا فيه.
لم تستمع اعتدال لرجائها، بل بدأت في شدها من ذراعها بقوةٍ تداريها خلف نبرةٍ حنونة زائفة
يا حبيبتي ده أصول، والناس بره بقوا سمن على عسل، وما صدقوا يصفوا النية، بلاش تطلعينا بمظهر الوحشة اللي بتحسد أختها ولا بتغل منها، قومي، البسي طرحتك واطلعي ارمي السلام، وبعدها ادخلي تاني.
تحت زن والدتها القاسي، استسلمت ياسمين، ليس اقتناعاً، بل لتكف عن ملاحقتها. خرجت وهي تجر أقدامها، وما إن وطئت قدماها الصالة حتى كانت الصدمة الأولى سما تجلس بجوار عريسها، يتهامسان بابتساماتٍ خجولة، في مشهدٍ استفزازي يعلن انتصار المدللة.
وقبل أن تستوعب ياسمين الموقف، انتفضت والدة العريس، سيدة ترتدي قناعاً من الود المفتعل، لتخطف ياسمين هامسةً في أذنها بمكرٍ لا يدركه إلا أهل الخبرة
كنتِ غايبة فين يا حبيبة قلبي؟ مفيش فرحة هتكمل من غيرك يا ياسمين.. إحنا برضه كنا عايزين نطمن إنك معانا ومباركة للنسب اللي يجمع ما بينا ايا كانت ياسمين ولا سما، انتوا الاتنين بنات اصول وعيلة محترمة.
شعرت ياسمين أن الهواء قد انقطع عنها، نظرت إلى والدتها التي كانت تتابع المشهد بابتسامة انتصار، وإلى والدها الذي أومأ لها برأسه بصرامة تأمرها بالصمت والابتسام. فكانت قعدة النفاق قد اكتملت، وكان عليها الآن أن تلعب دور الشقيقة الكبرى التي تبارك التمثيلية الهزلية بابتسامة مصطنعة تحرقها كالجمر
.......................
تحدث العريس المدعو جمال، واضعاً ساقاً فوق الأخرى ببرودٍ يثير الأعصاب، وهو يوزع نظراته بين الحضور، حتى استقر ببصره على ياسمين التي كانت تحاول تثبيت ملامح وجهها لتخفي بركان الغضب بداخلها. بابتسامةٍ باردة تتوشح البراءة المصطنعة، تحدث وكأن شيئاً لم يكن بالأمس
يا أهلاً يا ياسمين.. اخيرا نورتينا. مكنش ينفع نتمم الاتفاق من غيرك، إنتِ برضه غالية علينا كلنا، وبما إنك أخت سما الكبيرة، فأكيد رأيك يهمنا.. مش كدة يا سما؟
شعرت ياسمين أن الدم يغلي في عروقها، وأن سقف الغرفة يكاد يهبط على رأسها. نظرت إليه محاولةً ألا تظهر ارتجافة صوتها، وردت من بين أسنانها بكلماتٍ مقتضبة
ألف مبروك.. ربنا يتمم لكم على خير.
لم تكد تصمت، حتى تحدثت سما، التي كانت تجلس ملتصقة به كأنها تحميه من سرقة أخرى، لتمسك بيد ياسمين وتضغط عليها بابتسامةٍ كاذبة بلغت حد الغثيان
يا روحي يا ياسمين! والله كنت عارفة إنك أطيب قلب في الدنيا. إنتِ اللي علمتيني كل حاجة، وإنتِ أحلى وأجدع مني بمراحل.. بجد، ربنا يرزقك باللي يقدر قيمتك ويستاهل قلبك الطيب ده، لأنك بجد جوهرة.
هزّ باقي الجالسين رؤوسهم بالموافقة، وكأنهم في مسرحية مُعدّة جيداً لتلقين ياسمين دور المضحية المثالية. أم العريس أضافت بصوتٍ رخيمٍ مفعم بالنفاق
طبعاً يا حبيبتي، ياسمين دي غالية، والرزق بييجي في وقته، وكل اللي بيحب الخير لغيره ربنا بيفتح له أبوابه.
كل كلمة كانت تنزل على قلب ياسمين كأنها ضربة مِعول. شعرت بقبضةٍ حديدية تعتصر صدرها، ونَفَسها بدأ يضيق لدرجة الاختناق. لم تعد قادرة على تحمل هذا الاستعراض المفضوح للنفاق. نهضت فجأة، وهي تستند بيدها على حافة الطاولة لتتماسك
عن إذنكم.. مش قادرة أكمل، مصدعة شوية وهدخل أستريح.
لم تنتظر رداً، بل تحركت بخطواتٍ متعثرة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ لم تقصدها، لكنها كانت تعبيراً عن رغبتها في عزل العالم. ألقت بنفسها على السرير، ووضعت يديها فوق أذنيها لتحجب أصوات الضحكات والمجاملات التي كانت تتسرب عبر الشقوق، لتصل إلى مسامعها كأنها سكاكين تنغرس في صميم كرامتها. تمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلع تلك الليلة، أو أنها تغفو لتستيقظ وتجد كل هذا مجرد كابوسٍ سخيف، لا واقعٍ مرير يفرض عليها أن تكون المبارِكة لخذلانها
..............
طلعت شمس اليوم التالي وياسمين في عينيها سواد سهر طويل، لكنه لم يكن سهر بكاء فحسب، بل كان سهر خلاص. قررت ياسمين أن هذه الليلة السوداء كانت آخر عهدها بانتظار النصيب الذي يأتي في جلسة صالون ليُقيمها كسلعة. أحكمت غلق قلبها، وفتحت عقلها على مشروعها الصغير، وظلت طوال الليل تتنقل بين المواقع والصفحات حتى وجدت خيطاً لشركة تسويق كبرى تدعم الحرف اليدوية.
ارتدت ملابسها الرسمية، وحملت حقائبها التي صنعتها بدم قلبها، وتوجهت إلى مقر الشركة. هناك، وفي مكتب يفوح منه عبق العمل والنظام، كان اللقاء مع عبد الرحمن.
كان عبد الرحمن شاباً عملياً، حاد النظرات، يبدو عليه أنه لا يجامل في العمل. تفحص حقائبها ببرود استفزها، ثم ألقى بواحدة منها على المكتب بإهمال قائلاً
شوفي يا آنسة ياسمين.. الشغل كفكرة كويس، بس الفنش فيه عيوب كتير، والغرزة هنا واسعة، واللون ده مش موضة السنة دي خالص.. إنتِ فاكرة إن أي حد بيمسك إبرة وخيط يبقى فنان؟
شعرت ياسمين بشرارة غضب تشتعل في صدرها؛ فجرحها لا يزال ينزف، ولم تكن في حالة تسمح لها بتقبل إهانة لعملها الذي هو مهربها الوحيد. وقفت بحدة وقالت ونبرة صوتها قوية
عيوب؟ حضرتك بتتكلم عن غرزة هاند ميد مش مكنة صينية! لو كنت بتفهم في التعب اللي بيتبذل في كل عقدة خيط، مكنتش قولت الكلام ده. وبعدين لو اللون مش عاجبك، فده ذوق سوق، مش عيب في الصناعة!
رفع عبد الرحمن حاجبه، وظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذه الانتفاضة منها ليخرجها من حالة الوجوم والجمود التي دخلت بها المكتب. رد ببرود مدروس
والله؟ وأدينا طلع لنا صوت وبنرد أهو! أنا قولت إنك جاية مغصوبة على الشغلانة دي من كتر ما وشك كان مقفول ومش طايقة كلمة. بس كويس، العصبية دي معناها إنك غيورة على شغلك.
احتدت ياسمين أكثر، واقتربت من مكتبه وهي تشير لشنطتها
أنا مش جاية هنا عشان تحلل شخصيتي أو تقيم وشي مقفول ولا مفتوح. أنا جاية لشركة محترمة تعرض شغلي. لو مش قد المقام، آخد حاجتي وأمشي، والسوق مليان!
ضحك عبد الرحمن هذه المرة بوضوح، وسند ظهره إلى الكرسي قائلاً بنبرة أهدأ
اقعدي بس يا آنسة ياسمين وهدي أعصابك. أنا كنت بختبر صبرك وثقتك في منتجك، لأن اللي يسوق لازم
تم نسخ الرابط